عالم لا يطارد الألقاب بل يترك الأثر، لم يكن الدكتور المهندس أحمد أبو سيد يومًا باحثًا عن لقب، بقدر ما كان ساعيًا وراء أثرٍ ممتد، يبدأ من قاعة محاضرات بكلية الهندسة، ولا ينتهي عند حدود الوطن.
بدأت رحلة علمية استثنائية من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، حيث تخرج في الهندسة الميكانيكية متصدرًا دفعته بامتياز مع مرتبة الشرف عام 1967، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1975، لينطلق في مسار دولي نادر جمع بين العلم، والتخطيط، وصناعة القرار.
وفي حوار خاص مع «تحيا مصر»، فتح العالم المصري الكبير ملفات بالغة الأهمية، كاشفًا عن فرص تعليمية واقتصادية ضائعة، كانت كفيلة – لو أُحسن استثمارها – بأن تغيّر شكل سوق العمل، وتعيد صياغة منظومة التعليم، وتحقق استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا.
التعليم بلا استراتيجية يهدر العقول ويغيب العدالة الاجتماعية
قال الدكتور أحمد أبو سيد إن الجدل حول أفضلية الكليات العلمية أو الأدبية يُخفي جوهر الأزمة، موضحًا أن الخلل الحقيقي يكمن في( غياب استراتيجية) وطنية واضحة تربط التعليم باحتياجات الدولة الفعلية وسوق العمل، وتساءل: ما الجدوى من تخريج نحو ثلاثة آلاف طالب سنويًا من كليات وصلت إلى حد التشبع، مثل الحقوق، بينما لا يعمل أغلبهم بالقانون؟، مؤكدًا أن هذا النمط من التعليم يُنتج بطالة مقنّعة ويهدر طاقات بشرية هائلة.
فكرة ورؤية عالم.. تعليم شامل بدلًا من تخصصات منغلقة
أوضح أبو سيد لـ«تحيا مصر» أن الدولة بحاجة إلى إعادة تعريف فلسفة التعليم الجامعي، داعيًا إلى نماذج تعليمية أكثر تكاملًا، بحيث لا تقتصر كليات مثل الهندسة على العلوم التقنية فقط، بل تشمل مداخل أساسية في القانون، والاقتصاد، والفنون، والآداب، مشيرًا إلى أن هذا النهج يصنع خريجًا يمتلك وعيًا معرفيًا شاملًا، قادرًا على اتخاذ القرار، وفهم تأثير عمله على المجتمع والاقتصاد، لا مجرد منفذ تقني محدود الأفق.
لماذا نُصرّ على إدخال الجميع إلى الجامعة؟
انتقد الدكتور أحمد أبو سيد الإصرار المجتمعي والمؤسسي على اعتبار التعليم الجامعي المسار الوحيد للنجاح، مؤكدًا أن هذا التوجه جاء على حساب( التعليم الفني)، الذي يمثل العمود الفقري لأي اقتصاد صناعي قوي، لافتًا إلى مفارقة واقعية، حيث بات الفني الماهر في مجالات الكهرباء والميكانيكا وصيانة السيارات يحقق دخلًا يفوق دخل كثير من خريجي الكليات النظرية الذين لم يجدوا موطئ قدم في سوق العمل.
التعليم الفني.. إنقاذ للاقتصاد والأسرة معًا
وفي ذات السياق، كشف أبو سيد أن إهمال التعليم الفني لم يُسفر فقط عن خلل اقتصادي، بل أفرز أزمة اجتماعية صامتة، تمثلت في اضطرار ملايين العمال إلى الهجرة لدول الخليج بحثًا عن فرص العمل، موضحًا أن توفير العمالة المصرية داخل وطنها لا يعني فقط خلق فرص عمل، بل ينقذ آلاف الزوجات والأسر من البؤس الاجتماعي والتفكك الأسري الناتج عن غربة الأزواج وغيابهم الطويل، مؤكدًا أن توطين فرص العمل يحقق استقرارًا أسريًا ونفسيًا لا يقل أهمية عن العائد الاقتصادي.
تحويلات الخارج.. قراءة مختلفة للأرقام
حول تحويلات المصريين بالخارج التي تُقدّر بنحو 34 مليار دولار سنويًا، قال أبو سيد لـ«تحيا مصر» إن هذه الأرقام لا تعكس القيمة الحقيقية، موضحًا أن العامل المغترب ينفق نحو 90% من دخله خارج مصر، ولا يحول سوى 10% فقط، مضيفًا أن استبقاء هذه العمالة داخل مصر كان سيحقق عائدًا اقتصاديًا قد يصل إلى 340 مليار دولار من خلال الإنتاج المحلي، ودوران رأس المال، وتقليل الاستيراد.
الذكاء الاصطناعي والحوكمة.. شرطا البقاء في العصر الحديث
شدد أبو سيد على ضرورة إدماج الذكاء الاصطناعي في جميع الكليات، العلمية والنظرية، معتبرًا أن التكنولوجيا لم تعد ترفًا، بل أداة بقاء في عالم شديد التنافس، كما أكد أن أي إصلاح تعليمي أو اقتصادي لن ينجح دون تطبيق حقيقي لمبادئ الحوكمة داخل المؤسسات، لضمان الشفافية، وكفاءة الإدارة، وربط القرار بالمحاسبة.
التكنولوجيا الطبية.. تجربة شخصية
وكشف العالم المصري عن خضوعه لعملية استئصال الزائدة الدودية (المصران الأعور) باستخدام الروبوت الجراحي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، دون جراحة تقليدية أو فتح للبطن، مشيرًا إلى مغادرته المستشفى في اليوم نفسه، في نموذج عملي على ما يمكن أن يقدمه العلم حين يُحسن توظيفه.
مسيرة عالم أدرك أن العلم أثرٌ لا يُنسى
إنها مسيرة خبير عالمي، تنقّل بعلمه بين ملفات الأمن النووي في وزارة الدفاع الأمريكية، ومشروعات الطاقة غير التقليدية والجيوحرارية في وزارة الطاقة الأمريكية، وصولًا إلى أروقة الأمم المتحدة ضمن برامج المساعدة الفنية لإنتاج الطاقة غير التقليدية، حيث حوّل أحمد أبو سيد المعرفة إلى ابتكار ملموس، عبر 16 براءة اختراع أمريكية، ونال أرفع التقديرات الدولية، من بينها جائزة روبرت إيرل ماكونيل عام 2019، أعلى وسام تمنحه جمعية مهندسي البترول، ولم يكتفِ بالدور الاستشاري، بل ترجم رؤيته إلى كيانات صنعت فرقًا حقيقيًا، من Advantic للاستشارات في تكساس عام 1999، إلى Informatics في مصر عام 2004 في تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، ثم مشروعات إدارة المخلفات الصناعية عالية الخطورة، وصولًا إلى Vaulted Deep 2024 وEDDeep لخفض الانبعاثات وتحويل المخلفات العضوية إلى أرصدة ائتمان كربوني، إنه عالم أدرك أن الطاقة ليست صناعة فقط، بل مسؤولية تجاه المستقبل، وأن العلم ليس معادلات جامدة، بل أثر إنساني يجب أن يُترك لتحسين حياة البشر.

