«استراتيجية الرؤوس العنقودية».. رسائل كيم النووية لواشنطن من بريد الشرق الأوسط
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون وابنته كيم جو إيه يشرفان

«استراتيجية الرؤوس العنقودية».. رسائل كيم النووية لواشنطن من بريد الشرق الأوسط- نبض مصر

تشهد الساحة الدولية تصاعداً مقلقاً في وتيرة التهديدات العسكرية التي تطلقها كوريا الشمالية عبر سلسلة من التجارب الصاروخية والنووية المتطورة التي تهدف إلى تغيير موازين القوى في شرق آسيا. 

وتستغل بيونج يانج حالة الارتباك العالمي وانشغال القوى الكبرى بالصراعات المحتدمة في الشرق الأوسط لتعزيز ترسانتها الاستراتيجية وفرض واقع نووي جديد لا يمكن التراجع عنه أو تجاهله في أي مفاوضات مستقبلية.

تسارع البرنامج الصاروخي والنووي في كوريا الشمالية

حسب تقرير لـ “بلومبرج” ووكالة الأنباء المركزية الكورية، أطلقت كوريا الشمالية خمسة صواريخ باليستية تكتيكية من طراز “هواسونج-11” المعدل، والتي أصابت أهدافها بدقة متناهية قبالة الساحل الشرقي. 

وأشرف الزعيم كيم جونج أون بنفسه على هذه العمليات، معرباً عن رضاه التام عن تطوير رؤوس حربية عنقودية قادرة على تدمير مساحات واسعة، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في القدرات الهجومية لجيشه.

تشير التقارير الاستخباراتية وصور الأقمار الاصطناعية إلى أن مجمع يونجبيون النووي يشهد نشاطاً مكثفاً يهدف إلى تشغيل منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم لزيادة إنتاج المواد الانشطارية.

 وأكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، أن كوريا الشمالية حققت تقدماً بالغ الخطورة في قدراتها النووية، حيث رصدت الوكالة تجهيزات داخلية متطورة تشير إلى اقتراب المجمع من الجاهزية التشغيلية الكاملة لإنتاج عشرات الرؤوس الحربية الجديدة.

لم تقتصر التجارب الأخيرة على الصواريخ الباليستية فحسب، بل شملت اختبار صواريخ كروز استراتيجية وأخرى مضادة للسفن من على متن مدمرات بحرية حديثة من فئة “تشوي هيون”، فيما تهدف هذه الخطوات إلى تعزيز الردع البحري وحماية المياه الإقليمية من أي تدخلات خارجية، مع التركيز على تطوير أنظمة ملاحية متطورة قادرة على مقاومة التشويش الإلكتروني وضمان وصول المقذوفات إلى أهدافها بدقة متناهية.

تتزامن هذه التحركات العسكرية مع تقارير تفيد بتقليص الولايات المتحدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع كوريا الجنوبية، ما أثار مخاوف أمنية عميقة في سول حول فاعلية التحالف الدفاعي المشترك. ويرى مراقبون أن كوريا الشمالية تدرك جيداً فجوات التنسيق بين واشنطن وحلفائها، وتعمل على استغلالها لتعميق الانقسام الإقليمي وتثبيت أقدامها كقوة نووية معترف بها دولياً قبل أي تقارب دبلوماسي محتمل.

التحالفات الاستراتيجية والدروس المستفادة من حرب أوكرانيا

تستمر كوريا الشمالية في تعميق تعاونها العسكري مع روسيا، حيث أرسلت شحنات ضخمة من الذخائر والصواريخ والقوات لدعم العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا مقابل الحصول على تكنولوجيا عسكرية متطورة. وقد مكنت هذه المشاركة الميدانية مهندسي بيونج يانج من اختبار كفاءة صواريخهم في ظروف قتالية حقيقية، وتطوير وحدات مشاة مرونة وتكتيكات قتالية حديثة تعتمد على الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.

تسعى بيونج يانج أيضاً إلى موازنة علاقاتها الخارجية عبر التقارب مع الصين وبيلاروسيا، حيث استقبل كيم جونج أون وفوداً رفيعة المستوى لتعزيز المصالح الاستراتيجية المشتركة ومواجهة الضغوط الأمريكية المتزايدة. وتوفر هذه التحالفات غطاءً سياسياً واقتصادياً للنظام الكوري الشمالي، مما يقلل من تأثير العقوبات الدولية ويمنحه مساحة أكبر للمناورة في الملف النووي وملفات التسلح التقليدي التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره.

أثارت التقارير التي تتحدث عن تزويد بيونج يانج لموسكو بصواريخ من طراز “KN-23″ و”KN-24” قلقاً دولياً واسعاً، خاصة مع تشابه هذه الأسلحة مع المنظومات التي تستخدمها إيران. ويرى الخبراء أن هناك محوراً تسليحياً جديداً يتشكل، تعتمد فيه كوريا الشمالية على تبادل الخبرات التكنولوجية مع حلفائها لتطوير رؤوس حربية قادرة على اختراق الأنظمة الدفاعية المتطورة مثل “ثاد” و”باتريوت” التي تنشرها واشنطن في المنطقة.

يعمل الزعيم كيم جونج أون على استعراض قدراته العسكرية قبيل الزيارات المرتقبة لمسؤولين دوليين إلى المنطقة، في رسالة واضحة مفادها أن بلاده لن تتخلى عن سلاحها النووي تحت أي ظرف. ويؤكد الخطاب الرسمي لبيونج يانج أن وضع التسلح النووي للدولة أصبح أمراً لا رجعة فيه، وأن الهدف القادم هو امتلاك صواريخ عابرة للقارات تعمل بالوقود الصلب وقادرة على ضرب العمق الأمريكي.

تداعيات الانشغال الأمريكي بملفات الشرق الأوسط على آسيا

أدى التركيز المكثف للإدارة الأمريكية على النزاعات في الشرق الأوسط، خاصة المواجهات بين إسرائيل وإيران، إلى استنزاف موارد عسكرية واستخباراتية كانت مخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. هذا التغيير في الأولويات منح كوريا الشمالية فرصة ذهبية لتكثيف تجاربها دون ردع حقيقي، حيث ترى بيونج يانج أن واشنطن غير قادرة حالياً على فتح جبهة تصعيد جديدة في شبه الجزيرة الكورية.

تمارس واشنطن ضغوطاً على حلفائها الآسيويين للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، مما تسبب في توتر التحالفات العسكرية التقليدية مع اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تفضلان التركيز على تهديدات الجار الشمالي. ويحذر محللون سياسيون من أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى إضعاف الموقف الدفاعي المشترك في مواجهة طموحات كيم جونج أون، الذي يستغل كل ثغرة لتعزيز نفوذه الإقليمي.

تتزايد المخاوف من أن تؤدي الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد البرنامج النووي الإيراني إلى دفع كوريا الشمالية نحو تسريع تجاربها كإجراء احترازي ضد أي سيناريوهات مشابهة قد تستهدفها مستقبلاً. إن الارتباط الوثيق بين الملفات النووية في الشرق الأوسط وشرق آسيا يجعل من الصعب التعامل مع كل ملف بشكل منفصل، مما يضع المجتمع الدولي أمام معضلة أمنية معقدة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة.

يرى ليم أول تشول الأستاذ في جامعة كيونج نام أن بيونج يانج تعتبر التوقيت الحالي مثالياً لتطوير قدراتها الصاروخية بعيداً عن الرقابة الدولية اللصيقة التي تشتتت بفعل الأزمات المتلاحقة. ويضيف أن الصمت الأمريكي النسبي تجاه بعض التجاوزات الكورية الشمالية يُفهم في بيونج يانج كضعف أو قبول ضمني بالأمر الواقع، مما يشجع النظام على المضي قدماً في خططه العسكرية الطموحة.

التكنولوجيا العسكرية الحديثة وسلاح الحرب الإلكترونية

لم يعد اهتمام كوريا الشمالية مقتصرًا على القوة التدميرية التقليدية، بل امتد ليشمل أسلحة النبض الكهرومغناطيسي والقنابل المصنوعة من ألياف الكربون التي تستهدف تدمير شبكات الكهرباء والاتصالات لدى الخصوم. هذه الأسلحة ذات “الطابع الخاص” تمنح جيش كيم القدرة على شل حركة القوات المعادية وتعطيل البنية التحتية الحيوية دون الحاجة إلى استخدام الرؤوس النووية في المراحل الأولى من الصراع.

أكدت أكاديمية علوم الدفاع في بيونج يانج نجاح تجارب على نظام صواريخ متنقل قصير المدى مضاد للطائرات، مما يعزز قدرة البلاد على حماية منشآتها الاستراتيجية من الضربات الجوية والمسيرات. وتعتبر هذه المنظومات الدفاعية جزءاً من استراتيجية “الردع النشط” التي تتبناها البلاد لتأمين سمائها ومواجهة التفوق الجوي النوعي الذي تتمتع به الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في أي مواجهة محتملة.

يشكك بعض الخبراء الغربيين في دقة الادعاءات الكورية الشمالية بشأن فاعلية القنابل العنقودية والأسلحة الكهرومغناطيسية، معتبرين أنها قد تندرج ضمن الحرب النفسية الموجهة للداخل والخارج. ومع ذلك، فإن تكرار التجارب ونجاح إطلاق عشرة صواريخ باليستية في يوم واحد يشير إلى قفزة نوعية في تكنولوجيا التصنيع العسكري والقدرة على الإنتاج الكمي للأسلحة المتطورة رغم الحصار الاقتصادي الخانق.

يولى الزعيم كيم جونج أون أهمية قصوى لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في توجيه الصواريخ وإدارة العمليات العسكرية، مستلهماً الدروس من النزاعات الحديثة التي تعتمد على السرعة والتمويه الرقمي. إن هذا التحول نحو الرقمنة العسكرية يجعل من الصعب على أجهزة الرصد الغربية التنبؤ بموعد أو مكان إطلاق الصواريخ، مما يقلل من فاعلية أنظمة الإنذار المبكر ويزيد من مخاطر الحوادث العسكرية المفاجئة.

آفاق الحوار الدبلوماسي في ظل التسلح النووي

تسعى كوريا الجنوبية جاهدة لترتيب لقاء قمة محتمل بين واشنطن وبيونج يانج على هامش الزيارات الدبلوماسية المقررة في مايو، لكن الشروط التي تضعها كوريا الشمالية تجعل من الصعب تحقيق خرق حقيقي. حيث تشترط بيونج يانج اعترافاً دولياً كاملاً بها كقوة نووية ورفعاً فورياً للعقوبات قبل الدخول في أي مفاوضات جدية حول تقليص برنامجها التسليحي، وهو ما ترفضه الإدارة الأمريكية جملة وتفصيلاً.

يبرز دور الصين كلاعب محوري في تهدئة الأوضاع، حيث زار كبير الدبلوماسيين الصينيين بيونج يانج لاستكشاف مدى استعداد كيم للعودة إلى طاولة المفاوضات أو نقل رسائل سرية إلى الجانب الأمريكي. ورغم الدعم الاقتصادي الذي تقدمه بكين، إلا أنها تشعر بالقلق من أن يؤدي التهور العسكري الكوري الشمالي إلى زيادة التواجد العسكري الأمريكي في محيطها، مما يهدد مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى في المنطقة.

يعتبر المحللون أن أي حوار قادم يجب أن يأخذ في الاعتبار الواقع الجديد الذي فرضته التجارب الأخيرة، حيث لم يعد الحديث مقتصراً على تفكيك المفاعلات بل امتد ليشمل الرؤوس العنقودية والصواريخ التكتيكية. إن تعقيد الملفات وتداخل المصالح الدولية يجعل من طريق الدبلوماسية محفوفاً بالمخاطر، خاصة مع إصرار كيم على أن سلاحه النووي هو الضمانة الوحيدة لبقاء نظامه واستقلال قراره السياسي.

تظل شبه الجزيرة الكورية برميل بارود ينتظر شرارة الانفجار، في ظل غياب الثقة المتبادلة واستمرار لغة التصعيد العسكري من جميع الأطراف المنخرطة في الصراع. ومع اقتراب موعد القمم الدولية المرتقبة، يترقب العالم ما إذا كانت لغة العقل ستسود أم أن كوريا الشمالية ستستمر في دفع المنطقة نحو سباق تسلح لا ينتهي، يهدد الأمن والسلم الدوليين بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث.