التحولات المنتظرة للعقيدة الأمنية واللوجستية الخليجية بعد قمة جدة
التحولات المنتظرة للعقيدة الأمنية واللوجستية الخليجية بعد قمة جدة

التحولات المنتظرة للعقيدة الأمنية واللوجستية الخليجية بعد قمة جدة- نبض مصر

يكشف بيان الامين العام لمجلس التعاون عن (القمة الخليجية التشاورية في جدة) عن لحظة مفصلية في تطور النظام الإقليمي الخليجي حيث تبدو لحظة يتم فيها الانتقال من نموذج يعتمد على الحماية الخارجية والتنسيق المحدود إلى نموذج يسعى لبناء قوة ذاتية متعددة الأبعاد. إنه تحول نحو “خليج أكثر اتحاداً وحزماً” . حيث تتكامل القدرات العسكرية مع العمق الاقتصادي وتُعاد صياغة الدبلوماسية بما يتناسب مع بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. واضعاً السيادة والأمن في موقع لا يقبل المساومة.
وجاءت تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي لتكشف عن تحول نوعي في مقاربة دول المجلس للتحديات الإقليمية، يتجاوز حدود ردود الفعل التقليدية نحو بناء إطار استراتيجي أكثر صلابة وتكاملاً. لم يعد الخطاب الخليجي محصوراً في الإدانة أو الاحتواء الدبلوماسي، بل بات يعكس إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن، باعتباره منظومة مترابطة تشمل الردع العسكري، والسيادة الاقتصادية، والتكامل المؤسسي.

في صلب هذا التحول، يبرز تكريس واضح لعقيدة “الأمن الجماعي” بوصفها خياراً وجودياً لا تكتيكاً سياسياً. وتأكيد أن أمن دول المجلس “كلٌ لا يتجزأ” لم يعد مجرد تعبير تضامني، بل تطور إلى إعلان ضمني بأن أي تهديد يستهدف دولة عضو يُعامل كتهديد مباشر للمنظومة بأكملها. الأهم من ذلك أن إدراج الأردن ضمن هذا الإطار يفتح الباب أمام توسيع الدائرة الأمنية الخليجية، بما يعكس إدراكاً متزايداً لترابط مسارح التهديد في الإقليم. وفي هذا السياق، فإن الاستناد إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لا يحمل فقط بعداً قانونياً، بل يمثل إشارة سياسية إلى جاهزية الرد الجماعي بما في ذلك الخيار العسكري، إذا اقتضت الضرورة.

هذا التحول لا يمكن فصله عن التصعيد مع إيران، والذي يعكس البيان حياله مستوى غير مسبوق من فقدان الثقة. اللغة المستخدمة لم تكن اعتيادية بل حملت توصيفات حادة تشير إلى انتقال العلاقة من حالة التنافس المضبوط إلى حالة أزمة مفتوحة. ومع ذلك، لم يغلق المجلس باب الدبلوماسية، بل أعاد تعريف شروطها، بحيث تصبح مشروطة بمبادرات إيرانية ملموسة تعالج جذور القلق الخليجي، وليس مجرد تهدئة ظرفية.
وهنا يبرز ملف مضيق هرمز كأحد أهم محددات هذه المعادلة؛ إذ إن الإصرار على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير 2026 يكشف أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية تفاوضية، بل خطاً أحمر يرتبط مباشرة بالأمن القومي والاقتصادي.

في موازاة ذلك، يظهر بوضوح أن دول المجلس باتت تنظر إلى الاقتصاد، وخاصة قطاع الطاقة والبنية التحتية اللوجستية، كجزء لا يتجزأ من منظومة الردع. حيث هناك إدراك بأن الاعتماد على مسارات تقليدية معرضة للتهديد لم يعد خياراً آمناً. من هنا تأتي الأولوية لمشاريع الربط الإقليمي، سواء عبر أنابيب النفط والغاز التي تتجاوز نقاط الاختناق الجيوسياسي، أو من خلال سكة الحديد الخليجية التي تعزز الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى الربط المائي والكهربائي مع بناء مخزون استراتيجي مشترك يحد من تأثير الصدمات.

وبهذا يبرز التحول الجذري في مفهوم “أمن الطاقة” الذي لم يعد يُنظر إليه كتدفقات نفطية فحسب، بل كشريان حياة جيوسياسي يجب حمايته ببدائل لوجستية غير مسبوقة؛ فقمة جدة تضع اللبنات الأخيرة لمشاريع الربط السككي والبري العملاقة التي تهدف إلى تحويل شبه الجزيرة العربية إلى منصة لوجستية عالمية تربط الشرق بالغرب، متجاوزة بذلك مخاطر الإغلاق المتكرر للمضائق المائية، مما يمنح دول المجلس استقلالية قرار تاريخية أمام أي ابتزاز إقليمي أو دولي

أما على الصعيد العسكري، فإن التحول الأبرز يتمثل في الانتقال من التنسيق العملياتي إلى التكامل التقني. التركيز على منظومات الإنذار المبكر والدفاع ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يعكس توجهاً لبناء مظلة دفاعية خليجية أكثر استقلالية وكفاءة. فلم يعد الهدف مجرد تحسين القدرة الدفاعية لكل دولة على حدة، بل إنشاء شبكة متكاملة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات العابرة للحدود، وهو ما يشكل حجر الزاوية في أي منظومة ردع حديثة.

ورغم هذا التصعيد في الخطاب والأدوات، يظل البعد الدبلوماسي حاضراً، لكن بصيغة جديدة يمكن وصفها بـ”الدبلوماسية المشروطة بالقوة”. فلم تعد الدبلوماسية خياراً بديلاً عن الردع، بل أصبحت مكملة له، ومشروطة بتحقيق نتائج ملموسة تضمن وقف التهديدات. هذا التوازن يعكس نضجاً في المقاربة الخليجية، حيث يتم استخدام أدوات القوة لفرض شروط التهدئة، وليس العكس.