في كل مرة يقع حدث في الفضاء الخليجي تتسارع الأقلام إلى توقّع نهاية مجلس التعاون ، وتتزاحم التحليلات حول “تصدّع البيت الخليجي” و “بداية النهاية” و”أفول حلم التكامل” غير أن الزمن _وهو أصدق المحكّمين_ يُعيد كل مرة وضع الأمور في نصابها ، مُظهراً أن البنية الخليجية أعمق من الأحداث التي تعصف بها وأن تماسكها ليس قراراً ظرفياً ، بل خاصية بنيوية تَشكّلت عبر أربعة عقود من التراكم المؤسسي والثقافي والسياسي .
تستوقفني وأنا أتأمل الجدل الراهن حول انسحاب الإمارات من أوبك ، ملاحظة منهجية لا بد من تثبيتها قبل أي شيء: أوبك ليست جزءاً من البنية المؤسسية لمجلس التعاون الخليجي . هي منصة دولية متعددة الأطراف تشترك فيها بعض دول المجلس مع دول من خارج الإقليم ، لكنها لا تُمثّل عموداً من أعمدة البيت الخليجي . وحين انسحبت قطر من أوبك في يناير 2019 لم يعتبر ذلك خروجاً من المجلس ، بل قراراً سيادياً يتعلق بسياستها الإنتاجية المتمحورة حول الغاز الطبيعي المسال . وحين تنسحب الإمارات اليوم في 2026 ينطبق المنطق نفسه: قرار في فضاء مواز لا في صلب البنية . الخلط بين المنظومتين _البنية الخليجية الأم والمنصات الموازية_ هو مدخل أكثر التحليلات وهو ما يجب أن يُحرّر منه أي قارئ جاد للمشهد .
والحق أن من يتأمل سيرة مجلس التعاون منذ تأسيسه عام 1981 يكتشف نمطاً مذهلاً: المجلس مرّ بأزمات أعتى بكثير من قرار اقتصادي ومع ذلك صمد . حين اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية وبعد تأسيسه صمد . حين غزا صدام حسين الكويت صمد بل تعزّز . حين اشتعل الربيع العربي وارتجّت العواصم صمد . وحين وقعت الأزمة الكبرى التي قاطعت فيها ثلاث دول من المجلس قطر بين عامي 2017 و2021 _وهي قطيعة دامت ثلاث سنوات ونصف السنة_ لم يحلّ المجلس نفسه ولم تُلغَ قمته السنوية ولم تتوقف أمانته العامة ولم يُمزّق ميثاقه . وحين جاءت قمة العلا في يناير 2021 عاد المجلس إلى حالته الطبيعية وكأن الأزمة كانت اختباراً عابراً لقدرته على الاحتمال ، لا حدثاً نهائيًا . هذه واقعة لا تستطيع أي قراءة جادة تجاهلها: المجلس صمد أمام صدمة سياسية داخلية حادّة فكيف لا يصمد أمام صدمة اقتصادية موازية لا تمسّ بنيته أصلاً؟
ينبغي ألا يُفهم ما نكتبه بوصفه دفاعاً لا نقدياً أو احتفاءً يُغمض عينه عن مواطن الخلل . نحن ننتقد لأننا نُحب ، ونُشير إلى الفجوات لأننا نريدها أن تُسدّ ، ونُسمّي الإشكاليات بأسمائها لأن الصمت عنها خيانة لا حماية . الكتابة الجادة عن مجلس التعاون ليست خياراً بين تأييد أعمى ونقد هدّام ، بل مسؤولية ثالثة: نقد بنّاء يُحصّن المسيرة ويضبط مسارها . ومن هذا الباب نقول بصراحة إن المجلس لم يُنجز بعد كل ما يُمكن إنجازه: الاتحاد النقدي ما زال متعثراً ، والسوق الخليجية المشتركة لم تكتمل بعد ، وسكك الربط الحديدي تأخّرت أكثر مما كان ينبغي ، ومنظومة الإنذار المبكر المشتركة ما زالت دون مستوى التحديات الراهنة . هذه ملاحظات يقولها كل من يحب المجلس ويريد له الكمال ، وقد قالها قبلنا مفكرون ومسؤولون من داخل المنظومة ذاتها . النقد البنّاء سياج للمنجَز لا معول عليه وهو ما نحرص على تثبيته كنبرة دائمة في كل ما نكتبه: نُنوّه بالمنجز ونحتفي به ونُشير إلى الفجوات لتُعالَج ، ونرفض الاحتفال الأعمى الذي يُعمي عن العيوب كما نرفض جلد الذات الذي يُعمي عن الإنجازات.
ثمة ملاحظة أعمق ينبغي أن تُقال بصراحة: تماسك المجلس ليس صدفة ولا منّة من أحد بل نتاج بنيان إقليمي فريد بناه مؤسسوه على أُسس متينة . اللغة واحدة، الدين واحد ، التاريخ مشترك ، الجغرافيا متّصلة ، النسيج الاجتماعي متشابك يتجاوز الحدود السياسية ، عوائل وقبائل خليجية واحدة موزعة بين ست دول ، ولعل من أكثر المؤشرات بلاغة على عمق هذا التماسك ما جرى يوم الثلاثاء 28 أبريل 2026 في جدة في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه أبوظبي انسحابها من أوبك ، انعقدت القمة الخليجية التشاورية الاستثنائية برئاسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان . وصدر بيان موحّد قوي يُدين الاعتداءات الإيرانية على دول المجلس والأردن ، ويؤكد أن “أمن دول الخليج كلٌ لا يتجزأ” ، ويُسرّع مشاريع التكامل الكبرى من سكة الحديد إلى منظومة الإنذار المبكر المشتركة . ما حدث في تلك القاعة لم يكن إدارة أزمة بل إدراكاً بأن البنية أكبر من الحدث ، وأن البنيان الإقليمي أعمق من قرار اقتصادي .
وفي قراءة المشهد يبرز دور المملكة العربية السعودية بوصفها قوة ضابطة للنظام الإقليمي بالمعنى الدقيق: قادرة على استيعاب الصدمات دون تصعيد وعلى تأطير الأزمات دون توسيعها ، وعلى إعادة توجيه الطاقة الإقليمية نحو البناء بدلاً من الاستنزاف .
أكتب هذه السطور وأنا على يقين بأن من يراهن على تفكّك مجلس التعاون يراهن على وَهْم . الخلافات ستبقى والاجتهادات السيادية ستتعدّد والقرارات الاقتصادية ستختلف من عاصمة إلى أخرى ، لأن هذا طبع البنى الإقليمية الحيّة لا الميتة . السؤال الجوهري ليس: هل يختلف الخليجيون؟ بل: هل يتسع بنيانهم لاختلافاتهم دون أن ينكسر؟ والجواب الذي أوردته الحالات الثلاث _قطر 2019، الأزمة الخليجية 2017-2021، الإمارات 2026 _ جواب واحد لا يقبل الجدل: نعم البنيان يتسع والأهم أنه يخرج من كل اختبار أكثر صلابة ، لأن الأزمة في المنظومات الناضجة لا تُهلكها بل تُنضجها أكثر .
ينبغي لشعوب الخليج أن تنظر إلى هذه اللحظة بعين الواثق لا القلق . هذه الأمة الخليجية على امتداد جغرافيتها من الكويت شمالاً إلى مسقط جنوباً ، ومن الدوحة شرقاً إلى الرياض غرباً ، تملك ما لا تملكه كثير من المنظومات الأخرى: وحدة وجدانية حقيقية ، تماسكاً إجتماعياً عميقاً ، شبكة مصالح متشابكة ، وبناءً مؤسسياً أثبت قدرته على الصمود . وينبغي لقادتها أن يعلموا أن ما بَنَوه ليس هشاً ولا قابلاً للتفكّك بقرارات هنا أو خلافات هناك ، بل هو إرث جيلين متتاليين من المؤسسين والمكمّلين ، ومسؤولية تاريخية لا تُترك للظرف العابر .
في النهاية، الفضاء الخليجي يدخل مرحلة جديدة. مرحلة لا يُقاس فيها التكامل بعدد المنظمات التي ينتمي إليها أعضاؤه ، بل بعمق البنيان الذي يبنونه معاً . والإمارات، بكل خياراتها السيادية تبقى جزءاً أصيلاً من هذا الفضاء . بنية المجلس أعمق من اللحظة والأخوة أوسع من القرار ، والخليج الذي لا يُكسر هو الخليج الذي يدرك أن قوّته في تنوّعه ، وعظمته في احتوائه ، وخلوده في صَرحه الذي صمد أمام كل العواصف وسيصمد. وما نكتبه عنه نقداً كان أم تنويهاً ، إنما هو إسهام في تحصينه ، لا تجريحه؛ وضبط لمساره ، لا انتقاص من قدره؛ ووفاء لما يستحقه من جدّية الكلمة وأمانة الفكر .

