يشهد القطاع السياحي في اليمن مفارقة لافتة؛ فبينما تمتلك البلاد رصيدًا غنيًا من المقومات التراثية والثقافية والطبيعية التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية فريدة، لا يزال هذا القطاع يواجه تحديات عميقة تعيق انطلاقه الحقيقي، في مقدمتها الأوضاع الأمنية وحالة عدم الاستقرار التي انعكست على مختلف مفاصل الحياة، ومنها السياحة. ومع التحولات العالمية التي جعلت السياحة صناعة قائمة على المعرفة والتقنيات الحديثة، تبرز أزمة الإدارة كأحد أبرز التحديات التي لا يمكن تجاهلها.
وقد أعادت ندوة علمية نظمها المركز اليمني للتراث والسياحة (ميتس) في 30 ابريل الماضي طرح هذه الإشكالية إلى الواجهة، حيث اتفقت الآراء على وجود فجوة واضحة بين متطلبات إدارة السياحة الحديثة وبين الكفاءات التي تتولى قيادة بعض مفاصل هذا القطاع، خصوصًا مجلس الترويج السياحي. هذا الطرح لا يستهدف أشخاصًا بقدر ما يعكس حرصًا حقيقيًا على تصحيح المسار، انطلاقًا من أهمية السياحة كقطاع اقتصادي قادر على الإسهام في التعافي والتنمية.
فالسياحة اليوم تجاوزت دورها كنشاط تقليدي يعتمد على الترويج العام أو المبادرات المحدودة، بل أصبحت منظومة متكاملة تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وفهم الأسواق، وتحليل سلوك السائح، وتوظيف أدوات التسويق الرقمي ومنصات الحجز الإلكتروني. وفي ظل هذه التحولات، فإن غياب التخصص والخبرة العميقة لدى بعض القيادات ينعكس سلبًا على جودة القرارات، ويضعف قدرة المؤسسات على المنافسة واستثمار الفرص المتاحة في السوق السياحية الإقليمية والدولية.
إن إدارة الترويج السياحي على وجه الخصوص تمثل واجهة الدولة وصورتها أمام العالم، وأي قصور في هذا الجانب لا يقتصر أثره على ضعف الأداء المؤسسي، بل يمتد ليؤثر على إدراك الوجهة السياحية ككل. وعندما تغيب الرؤية المتخصصة، يصبح من الصعب بناء علامة سياحية تنافسية، أو تطوير منتجات سياحية جاذبة، أو حتى استثمار التحول الرقمي الذي بات يشكل العمود الفقري لصناعة السياحة الحديثة.
ولا تقتصر الحاجة إلى الإصلاح على المستوى المركزي، بل تمتد إلى مكاتب السياحة في المحافظات، خاصة في المناطق المحررة الواقعة تحت إدارة الحكومة الشرعية، حيث تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لأداء مدراءعموم مكاتب السياحة، وتقييم موضوعي للفترة الماضية التي قضاها بعضهم في مناصبهم، حيث يشغل بعض المدراء مواقعهم منذ سنوات طويلة دون تقييم واضح للأداء أو قياس فعلي للإنجاز. وهنا تبرز ضرورة طرح سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا تحقق على مستوى تنشيط السياحة المحلية؟ وما حجم المبادرات التي أسهمت في تطوير المنتج السياحي أو تحسين الخدمات أو جذب الزوار؟ إن الإجابة الصريحة عن هذه التساؤلات تمثل نقطة البداية لأي إصلاح جاد. فالمناصب ليست امتيازًا دائمًا، بل مسؤولية تقاس بنتائجها. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تبني آليات تقييم شفافة تقوم على مؤشرات أداء واضحة، بحيث يُكافأ المجتهد ويستمر، ويُستبدل من لم يحقق الإضافة المطلوبة بكفاءات قادرة على إحداث فرق حقيقي.
ومع ذلك، فإن طرح هذه الإشكالية يجب أن يُفهم في إطار نقد بنّاء يسعى إلى الإصلاح لا إلى التشهير، فالتحديات التي يواجهها القطاع السياحي في اليمن لا تنفصل عن السياق العام الذي تمر به البلاد، لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى مراجعة جادة لآليات اختيار القيادات، وإعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة والتخصص بوصفه الأساس في إدارة القطاعات الحيوية. إن الاستثمار في العنصر البشري المؤهل، وبناء القدرات، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث، كلها خطوات ضرورية لإعادة توجيه البوصلة نحو مسار أكثر مهنية واستدامة.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى معالي وزير الثقافة والسياحة الأستاذ مطيع دماج، حيث يُعوَّل على دوره في إحداث مراجعة جادة لهذه الاختلالات، والعمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع السياحي، من خلال وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، بما يعزز كفاءة الأداء المؤسسي ويعيد الثقة في قدرة هذا القطاع على النهوض. ورغم ما يُلاحظ من حراك إيجابي في انفتاح الوزارة على الخارج، من خلال اللقاءات مع السفراء والمنظمات الدولية بهدف دعم السياحة، فإن هذا الانفتاح والجهد-على أهميته- لن يحقق أثره الكامل ما لم يُواكَب بإصلاحات داخلية حقيقية تعالج جذور الخلل المؤسسي، ويعيد ترتيب الأولويات ويعزز الكفاءات، لأن أي نجاح خارجي يظل مرهونًا بمتانة الداخل.
إن التجارب الدولية تؤكد أن بناء قطاع سياحي ناجح يبدأ من الداخل، من مؤسسات قوية وكوادر مؤهلة ورؤية واضحة، قبل أن يمتد إلى الخارج عبر الترويج والشراكات. ولهذا، فإن إصلاح البيت السياحي في اليمن لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل ضرورة ملحّة تفرضها مصلحة الوطن. فاليمن، بكل ما يمتلكه من مقومات، يستحق إدارة سياحية ترتقي إلى حجم هذه الإمكانات، وتحوّلها إلى واقع اقتصادي وثقافي يليق بتاريخه ومكانته.

