من واقع التجربة اليمنية، ومن خلال تتبع سلوك الميليشيات الحوثيرانية منذ الحروب الست، مرورًا بما بعد إسقاط صنعاء، ثم جولات التفاوض في جنيف والكويت، وصولًا إلى اتفاق ستوكهولم… يتضح أننا أمام نمط تفاوضي ثابت، وليس مجرد مواقف عابرة.
هذا النمط يقوم على تقسيم الأدوار داخل الطرف الواحد:
▪ جناح يُظهر المرونة والاستعداد للتسوية.
▪ وجناح متشدد يرفض، يعرقل، ويهدد بالتصعيد.
وقد تكرر هذا السيناريو في كل المحطات:
في الحروب، في المفاوضات، وحتى بعد توقيع الاتفاقات… حيث يتم الانقلاب عليها بذريعة “رفض المتشددين”، بينما الحقيقة أن القرار موحد منذ البداية.
وهذا الأسلوب ليس حوثيًا فقط، بل هو امتداد لعقيدة تفاوضية إيرانية تُدار عبر الأذرع في المنطقة.
وقد رأينا النموذج ذاته يتكرر مع حزب الله في لبنان، في تعاطيه داخليًا وخارجيًا، حيث يظهر التباين في الخطاب، بينما القرار في النهاية واحد.
اليوم، يتكرر المشهد مع الولايات المتحدة… ولكن بصورة أكثر وضوحًا وخطورة.
المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تُرافقها سردية أمريكية على لسان الرئيس والإدارةتتحدث عن “خلاف عميق” وارتباك شديد داخل إيران، بين تيار معتدل وآخر متشدد… وهذه بالضبط هي نقطة الوقوع في الفخ.
ما يُقدَّم كتحليل سياسي داخل واشنطن، هو في الحقيقة استجابة مباشرة لتكتيك إيراني مُجرّب.
الحديث عن “صراع أجنحة” ليس اكتشافًا أمريكيًا، بل رواية مُصممة بعناية ليتم تصديقها.
وهنا مكمن الخطر:
▪ عندما تبني واشنطن استراتيجيتها على وجود انقسام حقيقي داخل إيران، فهي عمليًا تراهن على وهم.
▪ وعندما تمنح “التيار المعتدل” فرصة، فهي تُعطي النظام ككل مساحة للمناورة.
▪ وعندما تتوقع التزامًا من طرف دون آخر، فهي تفتح الباب مسبقًا للتنصل من أي اتفاق.
بمعنى أوضح:
الولايات المتحدة لا تقترب من الفخ… بل دخلته فعليًا.
لأن ما تعتبره “خلافًا داخليًا” هو في جوهره توزيع أدوار محسوب،
وما تراه “فرصة تفاوض” هو في حقيقته أداة لكسب الوقت وتحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات حقيقية.
الخلاصة:
التجربة اليمنية، وتجربة لبنان، وكل مسارات التفاوض مع إيران وأذرعها، تقدم درسًا واضحًا:
لا يوجد “جناحان” بقرارين مختلفين… بل نظام واحد يلعب بأقنعة متعددة.
ومن لا يدرك هذه الحقيقة، سيجد نفسه كما حدث مرارًا
يوقّع اتفاقًا مع طرف… ويواجه نقضه من الطرف ذاته، ولكن بوجهٍ آخر.

