بين «الخيانة» و«السيادة».. شرخ عميق بين عون وحزب الله يضع لبنان أمام المجهول
بري وعون

بين «الخيانة» و«السيادة».. شرخ عميق بين عون وحزب الله يضع لبنان أمام المجهول- نبض مصر

يشهد المشهد السياسي في لبنان حالة من الترقب المشوب بالحذر، في وقت تتصارع فيه الإرادات المحلية حول مسارات التفاوض والسيادة الوطنية المتعثرة. وفي تطور لافت، تعثرت الجهود لعقد لقاء قمة ثلاثي في قصر بعبدا كان يؤمل منه ردم الفجوة بين أركان الدولة.

 هذا الانسداد لا يعبر فقط عن خلافات بروتوكولية، بل يكشف عن انقسام عميق يطال جوهر الاستراتيجية الدفاعية ومستقبل العلاقات السياسية التي تحكم موازين القوى في البلاد.

حسب تقرير لـ “الشرق”، كشفت مصادر لبنانية مطلعة أن اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام قد أُلغي بشكل مفاجئ. ورغم محاولات التهدئة التي تشير إلى استمرار الاتصالات خلف الكواليس، إلا أن عدم تحديد موعد جديد للاجتماع يعكس عمق التوتر القائم. تظل الأجواء السياسية مشحونة بانتظار توافق حقيقي ينهي حالة الشلل التي تسيطر على مفاصل القرار الرسمي في العاصمة بيروت.

أشارت المصادر إلى أن غياب الموعد المحدد لهذا اللقاء لا يعني بالضرورة قطيعة نهائية، لكنه يؤكد وجود عقبات جوهرية تحول دون الجلوس على طاولة واحدة. 

لتحديات الراهنة تتجاوز الشكليات لتصل إلى ملفات السلم الأهلي وتحصين الجبهة الداخلية ضد الأزمات المتلاحقة.

 ومع استمرار الاتصالات الهاتفية بين الرئاسة والبرلمان، يبقى السؤال قائماً حول القدرة على تجاوز الأزمات الهيكلية التي تعصف بالدولة اللبنانية في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد والحساسية.

كواليس إلغاء لقاء بعبدا وتداعيات الانقسام الداخلي

تؤكد الأوساط السياسية المتابعة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري هو الطرف الذي أبدى تحفظاً واضحاً على عقد هذا الاجتماع في الوقت الحالي. ويأتي هذا الموقف كرد فعل مباشر على التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الجمهورية جوزاف عون. 

حيث وجه عون انتقادات لاذعة لسياسات حزب الله، معتبراً أن جر البلاد إلى حروب من أجل مصالح خارجية يعد نوعاً من الخيانة الوطنية، وهو ما أثار حفيظة حلفاء الحزب في البرلمان.

لم يقف الخلاف عند حدود التصريحات اللفظية، بل امتد ليشمل آليات إدارة الدولة للمفاوضات الحساسة مع الجانب الإسرائيلي. يصر الرئيس عون على ضرورة المضي قدماً في مسار التفاوض المباشر كسبيل وحيد لتحقيق الاستقرار وحماية البنى التحتية. في المقابل، يرفض نبيه بري هذا التوجه بشكل قاطع، مؤكداً عبر مكتبه الإعلامي أن الثوابت الوطنية لا تقبل المقايضة، وأن التفاوض المباشر مع العدو هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف.

يعكس هذا التباين الحاد صراعاً على الصلاحيات والرؤى الاستراتيجية لمستقبل لبنان في محيطه العربي والدولي. فبينما تحاول الرئاسة تكريس نهج دبلوماسي جديد، يتمسك بري بالإرث التقليدي لإدارة الصراع. هذا الصدام أدى إلى تجميد الجهود الهادفة لتطبيق اتفاق الطائف بشكل كامل، وهو الاتفاق الذي يمثل الركيزة الأساسية للسلم الأهلي. وبدون حد أدنى من الإجماع الوطني، تظل كافة المبادرات السياسية تراوح مكانها دون قدرة على تحقيق اختراق حقيقي.

صدام الرؤى حول التفاوض والسيادة الوطنية

انتقل الخلاف بين القصر الجمهوري وحزب الله من الغرف المغلقة إلى العلن بشكل صارخ ومباشر. وقد تجلى ذلك في خطاب الرئيس عون الذي تساءل فيه باستنكار عن سبب غياب الإجماع الوطني عند اتخاذ قرار الحرب. واعتبر عون أن من يهاجمون خيار التفاوض اليوم هم أنفسهم من جروا البلاد إلى صراعات لا تخدم المصلحة اللبنانية العليا، بل تخدم أجندات إقليمية غريبة عن واقع الشعب اللبناني وتطلعاته نحو الأمان.

دافع الرئيس عون عن المسار الذي تسلكه الحكومة، مؤكداً أن الجلوس على طاولة المفاوضات ليس استسلاماً بل هو فعل سيادي لحماية ما تبقى من مقومات الدولة. 

وأوضح أن التنسيق مع الجانب الأمريكي يهدف في المقام الأول إلى تثبيت وقف إطلاق النار ومنع استهداف المدنيين. بالنسبة للرئاسة، فإن تجاوز عقدة “التفاوض المباشر” قد حدث بالفعل من خلال لقاء السفراء في واشنطن، ولم يعد هناك مبرر للعودة إلى الوراء.

في المقابل، جاء رد حزب الله على لسان أمينه العام نعيم قاسم الذي أعلن رفضاً قاطعاً وشاملاً لكل مخرجات هذه المفاوضات. ووصف قاسم التحركات الرسمية بأنها لا تعني الحزب من قريب أو بعيد، متوعداً بالاستمرار في النهج الدفاعي المسلح. هذا الخطاب التصعيدي وضع الحكومة ورئاسة الجمهورية في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، حيث بدا لبنان وكأنه يتحدث بلسانين متناقضين، مما يضعف موقفه التفاوضي في المحافل الدولية.

انقطاع التواصل وتداعيات الخلاف مع حزب الله

أكدت تقارير مقربة من الرئاسة اللبنانية أن قنوات التواصل مع حزب الله قد انقطعت تماماً في الآونة الأخيرة. هذا الانقطاع يمثل تحولاً خطيراً في الخارطة السياسية، حيث كانت الرئاسة تمثل دائماً جسراً للتواصل بين مختلف الفرقاء. ومع غياب الحوار، باتت الدولة تعول بشكل كبير على المساعي الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية. تهدف هذه التحركات إلى ضمان حد أدنى من احترام الجانب الإسرائيلي لالتزاماته الدولية وتحييد المرافق الحيوية.

تسعى الرئاسة اللبنانية جاهدة لتأمين زيارة رسمية للرئيس جوزاف عون إلى واشنطن للقاء الإدارة الأمريكية الجديدة. وترى المصادر أن الرئيس دونالد ترمب هو الشخصية الوحيدة القادرة على ممارسة ضغوط فعلية على الحكومة الإسرائيلية لوقف العمليات العسكرية. 

ورغم عدم صدور دعوة رسمية حتى الآن، إلا أن السفيرة ندى حماده تبذل جهوداً مضنية لتنسيق أوراق العمل والنقاط التقنية التي سيتم البحث فيها لضمان نجاح أي حوار مستقبلي.

تتزايد التساؤلات داخل أروقة القرار في بيروت حول جدوى الاستمرار في مسار تفاوضي يرفضه شريك أساسي في الوطن. ويرى مراقبون أن انقطاع العلاقة بين بعبدا وحارة حريك سيؤدي إلى مزيد من التصلب في المواقف الميدانية والسياسية. 

إن غياب الإجماع حول تطبيق القرارات الدولية يضع لبنان في مهب الريح، حيث تصبح الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، مما يعرضها لمزيد من الضغوط والعزلة التي قد تؤدي إلى انهيار شامل.

الميدان المشتعل والرهان على الضغط الدولي

على الصعيد الميداني، لا تزال آلة الحرب الإسرائيلية تواصل خروقاتها الممنهجة للسيادة اللبنانية في الجنوب. وشهدت الساعات الأخيرة تصعيداً خطيراً شمل غارات جوية مكثفة وعمليات تفخيخ ونسف للمنازل في بلدات حدودية عديدة. هذا الواقع المأساوي يضعف من فرص نجاح أي هدنة سياسية مرتقبة، حيث يرى السكان أن الوعود الدولية لم تترجم بعد إلى أمن حقيقي يحميهم من نيران القصف والتهجير القسري الذي طال آلاف العائلات.

أفادت وزارة الصحة اللبنانية في تقاريرها الأخيرة عن سقوط ضحايا مدنيين بينهم نساء وأطفال جراء الغارات التي استهدفت بلدات في قضاء النبطية وصور وبنت جبيل. وتستمر فرق الإنقاذ في عمليات البحث عن مفقودين تحت الأنقاض وسط ظروف أمنية بالغة الخطورة. 

هذه المشاهد الإنسانية القاسية تزيد من تعقيد المشهد السياسي، حيث تستخدمها الأطراف المتصارعة كأوراق ضغط لتعزيز مواقفها، سواء في الدعوة للمقاومة المسلحة أو في تبرير ضرورة التفاوض السريع.

يبقى الرهان الأخير للدولة اللبنانية معلقاً على قدرة المجتمع الدولي، وتحديداً واشنطن، في كبح جماح التصعيد الإسرائيلي. إن تطبيق اتفاق الطائف وتعزيز السلم الأهلي يتطلبان استقراراً ميدانياً يسمح للقوى السياسية بالعودة إلى طاولة الحوار.

 ومع استمرار التحليق المكثف للطيران المسيّر فوق العاصمة وضواحيها، يظل لبنان يعيش في دوامة من القلق الوجودي، بانتظار معجزة دبلوماسية تعيد ترتيب البيت الداخلي وتنهي معاناة شعب يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده.

إن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة سياسية غير مسبوقة لتجاوز الخلافات الشخصية والحزبية وتغليب مصلحة الوطن. فالتاريخ لن يرحم من فرطوا في وحدة البلاد من أجل حسابات ضيقة. 

ويبقى الأمل في أن تنجح المساعي الجارية لفتح قنوات حوار جديدة تعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتضع حداً لحالة التشرذم التي تهدد هوية لبنان ورسالته كنموذج للتعايش والاستقرار في منطقة لا تزال تغلي فوق صفيح ساخن من النزاعات.