حين تصبح الفرحة بحاجة إلى رخصة، والبهجة مرتهنة بـ دليل إرشادي، نفقد جوهر التخرج بوصفه عيداً للروح وانعتاقاً من سنوات العناء والمفارقة الصارخة التي يطرحها دليل وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي في صنعاء لتنظيم حفلات التخرج، لا تكمن فقط في بنوده ولكن في روحه التي تقدم لنا هيكلاً تنظيمياً بلا قلب فبدلاً من أن يكون جسراً يعبر عليه الخريجون نحو غدِهم صار جداراً يصدّ عفويتهم ويُثقل كاهل أحلامهم بقيودٍ جعلت من يوم العمر مجرد معاملة رسمية باردة تنتظر الاعتماد.
يبدأ الدليل بلغة إنشائية مُطمئنة، تضع ضمن أهدافها إدخال الفرحة والسرور على الطلبة وأسرهم ولكن هذا الهدف سرعان ما يسقط في اختبار التنفيذ عندما يشترط الفصل الكامل بين الجنسين واختزال مفهوم الأسرة في الأب والأم فقط يمثل صدمة للوجدان الاجتماعي اليمني.
إن العائلة اليمنية بطبعها ممتدة فالجد الذي سهر، والأخ الذي ساند والخال الذي آزر يجدون أنفسهم اليوم بقرار إداري خارج أسوار الفرح هنا، لا يبدو الأمر مجرد تنظيم، بل هو إعادة تعريف قسري لهوية المجتمع، حيث تُحاصر الفرحة في زاوية ضيقة لا تعكس دفء البيوت اليمنية.
تتجلى الفجوة في العدالة الرمزية حين ينص الدليل على فقرات بروتوكولية لا تقبل الجدل، مثل كلمة قيادة المؤسسة وكلمة راعي الحفل، مع فرض حضور قيادات الوزارة كجزء من المهام الرسمية.
هنا تبرز المفارقة المؤلمة: كيف يمنح الدليل الأولوية لحضور المسؤول الذي قد لا يعرف اسم الخريج، بينما يضع العوائق أمام السند الحقيق من الأقارب والمحبين؟ في حفلات الطالبات تحديداً، تضيع الإجابات حول كيفية تطبيق هذه الفقرات في ظل قيود الحضور، مما يكشف عن خلل بنيوي في صياغة اللوائح التي كُتبت خلف المكاتب، معزولة عن ضجيج الواقع وتحدياته.
في جانب التغطية الإعلامية، يغرق الدليل في مثالية مفرطة تتجاهل الواقع المهني اشتراط طواقم تصوير نسائية بالكامل في حفلات الطالبات، مع المطالبة في الوقت ذاته بتغطية إعلامية واسعة عبر القنوات والإذاعات هو طلب للمستحيل.
إن وسائل الإعلام المحلية لا تملك في معظمها الكوادر النسائية الكافية لتغطية هذا الحشد من الفعاليات المتزامنة، مما يضع الخريجة أمام خيارين أحلاهما مر: إما حفل بلا ذاكرة مصورة، أو مخالفة الدليل لتوثيق لحظة لا تتكرر هنا يظهر الدليل كأداة لفرض قيود على بيئة غير موجودة أصلاً، بدلاً من تقديم حلول عملية.
حتى الثياب واللافتات لم تسلم من النزعة الوصائية. اشتراط ملابس غير ملفتة داخل قاعات نسائية مغلقة يطرح تساؤلاً فلسفياً حول الجهة المفترضة لهذا النظر المستتر! إنها رقابة تتجاوز المنطق العملي لتصل إلى فرض نمط اجتماعي معين تحت غطاء التنظيم.
أما في جانب الرعاية، فيفرض الدليل حضوراً رمزياً مكثفاً لشعارات الوزارة، لكنه حضور مجاني تماماً؛ حيث لا يقترن بأي التزام مادي أو لوجستي يخفف عن الطلاب كواهل التكاليف الباهظة للقاعات والتجهيزات. يتحول مفهوم الرعاية هنا إلى استثمار بصري لمؤسسة رسمية في جهد طلابي خاص.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في رفض التنظيم، وإنما في رفض الوصاية على الفر. التنظيم في جوهره الذي ينبغي أن يكون خادماً للبهجة لا سيداً عليها. ما يقدمه الدليل هو نموذج لإدارة التفاصيل الدقيقة لدرجة تفرغ المناسبة من روحها الإنسانية، وتجعل من الالتزام باللائحة أهم من صدق الدمعة في عين خريج أو ابتسامة فخر في وجه أم.
لقد تم تهميش الخريجين —وهم صناع الحدث— لصالح اعتبارات شكلية ورمزية وأصبحوا مجرد منفذين في مسرحية إدارية كبرى تُحدد لهم كيف يضحكون، ومع من يتصورون وبأي لافتة يهتفون.
إننا نطالب بتنظيم عقلاني مرن يضع الطالب وأسرته في قلب الاهتمام فالتخرج ليس فعالية رسمية تُدرج في سجلات الإنجاز السنوي للوزارة، ولكنه هو لحظة إنسانية مقدسة تستحق أن تُعاش بحرية لهذا فالتحدي أمام الجهات المنظمة اليوم هو: هل تختارون أن تكونوا شركاء في الفرح وتدفعون بالطلاب نحو الأمام أم مجرد حراس على بوابات اللوائح يحصون الأخطاء ويخنقون العفوية؟
التخرج عيد للروح، والروح لا تُسجن في دليل.

