غزة/ محمد ماجد/ الأناضول وسط خيام النازحين في قطاع غزة، يستمر أطفال فلسطينيون في ممارسة تدريبات الكاراتيه، مستخدمين مساحات رملية ضيقة بين الخيام، بعد أن تم تدمير الأندية والصالات الرياضية خلال الحرب الإسرائيلية، في جهود للحفاظ على نشاط رياضي افتقد بيئته الآمنة. ومع تدمير البنية التحتية الرياضية منذ انطلاق الحرب في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لجأ الفلسطينيون إلى استخدام المتاح، فحلّت الرمال مكان الأرضيات المجهزة، وأصبحت المساحات بين الخيام ساحات تدريب. تُؤدى التمارين في الممرات الفاصلة بين خيام النزوح في مدينة خان يونس (جنوب القطاع)، حيث يقضي الأطفال يومهم بين آثار الدمار والنزوح، ويجدون في تلك المساحات الضيقة متنفسًا للحركة. ويخضع الأطفال لتدريبات بدنية أساسية وتمارين في الدفاع عن النفس، تُنفذ بإشراف المدرب داخل هذه المساحات الرملية، مع التركيز على اللياقة والانضباط الجسدي، في ظل غياب المعدات والصالات. بينما يعيش مئات الآلاف من النازحين في غزة في أوضاع صعبة، نتيجة الحرب التي دمرت منازلهم وأجبرتهم على النزوح القسري، حيث يقيمون في خيام مؤقتة لا توفر الحماية من حر الصيف أو برد الشتاء، في ظروف إنسانية متدهورة. في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، صرح رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، بأن الملاعب والصالات الرياضية “سُوّيت بالأرض”، وأن آلاف الرياضيين قُتلوا أو جُرحوا أو فُقدوا بسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، مضيفًا أن جميع الأنشطة الرياضية الفلسطينية توقفت منذ بدء العدوان في 8 أكتوبر 2023، مؤكدًا أن الاحتلال دمّر البنية التحتية للرياضة في الأراضي الفلسطينية.
صالات دمرتها الحرب
يقول مدرب الكاراتيه، خليل شقليه، للأناضول إنه قبل الحرب، كان يدرّب لاعبيه داخل أندية وصالات مجهزة، وكان يمتلك صالة خاصة دُمرت بالكامل خلال الحرب الإسرائيلية، ولم يتبقَ فيها أي من مقومات العمل الرياضي، مضيفًا أن غياب الصالات والإمكانات أجبره ولاعبيه على مواصلة التدريب في ظروف قاسية، موضحًا أن بعض الطلاب يتدربون على الرمال أو على شاطئ البحر لعدم توفر بدائل. تعكس ملابس اللاعبين حجم المعاناة، بحسب شقليه، إذ يرتدي بعضهم الزي الأبيض وآخرون الأزرق، ليس لأسباب رياضية، بل لعدم توفر الزي الرسمي للكاراتيه، موضحًا أن التدريب على الرمل فُرض عليهم قسراً في ظل انعدام الإمكانيات، مؤكدًا أن هذا الواقع “لم يكن ليحدث لولا الحرب”.
المجاعة وإغلاق المعابر
وينتقد شقليه بشدة استمرار إغلاق المعابر، إذ لم يكتفِ “المحتل الإسرائيلي” بشن حرب إبادة، بل واصل غلق المعابر، ولولا ذلك “لكان هؤلاء الأبطال يشاركون اليوم في بطولات خارج فلسطين”، كما أضاف المدرب. ورغم انتهاء الإبادة مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إلا أن ملامح الأزمة الإنسانية لم تشهد تحسنًا ملحوظًا، بسبب تنصل إسرائيل من الإيفاء بالتزاماتها الواردة في الاتفاق، خاصة بما يتعلق بفتح المعابر، وإدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية، والإغاثية، والطبية. يشير مدرب الكاراتيه، خليل شقليه، إلى أن سوء التغذية أثر بشكل كبير على اللاعبين والمدربين، معتبرًا أن المجاعة التي شهدها القطاع ألحقت أضرارًا بالجميع، مضيفًا: “صمد اللاعبون نسبيًا بفضل ممارستهم الرياضة قبل الحرب، ولولا ذلك لكانت النتائج كارثية”. في 22 أغسطس/ آب 2025، أعلنت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، تفشي المجاعة في مدينة غزة شمال القطاع، وتضم المبادرة 21 منظمة دولية، مثل منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للأطفال “يونيسف”، ومنظمة الصحة العالمية، وأوكسفام، و”أنقذوا الأطفال”. ورغم سماح إسرائيل في أوقات متقطعة بدخول كميات محدودة من المساعدات، إلا أنها لم تكن كافية لتخفيف الأزمة، كما تعرضت شاحنات مساعدات لعمليات سطو، قالت حكومة غزة إن إسرائيل توفر الحماية للعصابات التي تنفذها، وحول سبب التدريب بين خيام النازحين، قال شقليه: “نحن لا نجد بيوتا نسكنها، فمن أين لنا أن نجد صالة؟ اضطررنا لتحويل المساحات بين الخيام وشوارع المخيمات إلى أماكن تدريب”.
متنفس في الرياضة
ويلفت شقليه إلى أن الكاراتيه “ليست مجرد رياضة، بل وسيلة للتخفيف عن الأطفال مما شاهدوه من دمار وقتل وتشريد وتجويع”. في رسالة إلى العالم، وخاصة الوسط الرياضي، يدعو المدرب الفلسطيني للنظر إلى اللاعبين بعين الرحمة، مؤكدًا أن “هؤلاء الشباب يحلمون بأن يصبحوا أبطالًا عالميين، وأن يسافروا ويمارسوا رياضتهم بحرية كما كانوا قبل الحرب”، مطالبًا المجتمع الدولي بالالتفات إلى معاناتهم وهم يستمرون في التدريب على الرمال بعد تدمير الصالات والأندية.
طموح رغم الدمار
عن نفسها، تقول لاعبة الكاراتيه، ياسمين خليل شقليه: “بدأت ممارسة الكاراتيه في سن 14 عامًا، وتوقفت عن اللعب عند سن 19 بسبب الحرب والظروف الصعبة”، مشيرة إلى أنها اليوم في الـ 21 من عمرها، وأنها كانت تطمح للسفر والمشاركة في بطولات خارجية، لكن نادينا دُمر مع أول موجة نزوح في رفح، ورغم ذلك واصلنا التدريب داخل الخيام وعلى الرمال. لم يتمكن اليأس من التأثير عليها رغم كل ما مرت به، فتقول: “عدنا وشكلنا فريقًا من جديد، وبدأنا أنشطة رياضية للأطفال لإبعادهم عن أجواء الحرب”، مضيفة: “أطمح إلى السفر والمشاركة في البطولات، وتحقيق مراكز متقدمة، والتقدم للحزام الأسود (دان 2)، وأن أصبح مدربة وأعيد افتتاح نادٍ جديد بدل الذي دُمر”. وتستذكر ما عاشته في أجواء الحرب بمرارة وأمل، قائلة: “كنت أتدرب داخل خيمة خصصتها لنفسي، وفقدنا ملابسنا ومعداتنا وشهاداتنا تحت الركام، قبل أن نتمكن من العودة إلى التدريبات رغم الدمار والخيام والرمال”. انتهى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر الماضي، حرب إبادة جماعية بدأت في 8 أكتوبر 2023 واستمرت عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح من الفلسطينيين، بالإضافة إلى دمار واسع طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، بتكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

