ميراث الأسد بعد هروبه… عنيد ومغرور ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو
كشفت صحيفة «ذا أتلانتيك» الأميركية تفاصيل غير مسبوقة حول كواليس حكم الرئيس السوري بشار الأسد قبل سقوط نظامه، وذكرت الصحيفة أن بعض الطغاة يواجهون الموت في معاركهم، بينما يتم إعدام البعض الآخر، ولكن تصرف الأسد كان مختلفًا، حيث لجأ إلى الخداع، مما صدم من حوله، فقد زعم لمساعديه وكبار الضباط أن «النصر قريب» وأن اتصالات إقليمية ستؤدي إلى وقف الهجوم، وذلك في الوقت الذي كانت فيه فصائل المعارضة تقترب من دمشق في 7 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهو اليوم السابق لسقوط نظامه، حيث وصلت الفصائل إلى حمص بعد دخولهما حلب وحماة، وفر بشار في تلك الليلة على متن طائرة روسية، دون أن يُخبر أحدًا، بينما صدر بيان يقول إن «الأسد كان في القصر يؤدي واجباته الدستورية».
فرار الأسد أثار غضب أولئك الذين أعلنوا ولاءهم له، وقد أظهرت شهادات المقربين منه أنهم شعروا بالخيانة، إذ كان البعض مستعدًا للقتال أو الانسحاب بشكل منظم إذا عُرض عليهم الحقيقة، إلا أن الأسد استخدمهم كواجهة سياسية وأمنية لتغطية عملية فراره، مما ترك فوضى في صفوف مؤيديه، حيث وُجدت صورة ضخمة للأسد ملقاة على الأرض في القصر الرئاسي في دمشق بعد يوم من هروبه.
لم تكن أي جهة تتوقع سقوط الأسد بهذا الشكل السريع، سواء الموساد أو الاستخبارات الأميركية، ولكن بعد انهيار نظامه، تم الكشف عن أن داعميه، مثل روسيا وإيران و«حزب الله» مشغولون بصراعات أخرى مثل حرب أوكرانيا، مما جعلهم غير قادرين على حمايته، وأظهر الانشغال بمشاكل جديدة ما كان خفيًا لسنوات عديدة؛ مثل ضعف الجيش بسبب الفساد، كما حدث مع النظام المدعوم من الولايات المتحدة في أفغانستان، الذي انهار عام 2021، ووفقًا للتقرير، فإن سلالة الأسد كانت تواجه تغييرات جيوسياسية واسعة في المنطقة والعالم، وكان سقوطها حتميًا.
في أثناء ذلك، كان بشار الأسد، وسط المعارك وتدهور الوضع، منعزلًا إلى حد كبير عن الأحداث، حيث ذكر مصدر سابق في «حزب الله» أنه قضى وقتًا طويلًا في ممارسة الألعاب على هاتفه المحمول، وأبرزها لعبة «كاندي كراش»، وفي 7 ديسمبر 2024، وقبل انهيار النظام بيوم واحد، عُقد اجتماع في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من المنطقة وخارجها، في محاولة أخيرة لمنع السقوط الكامل وتحفيز عملية انتقال سياسي، ولكن جهودهم فشلت بسبب تعذر التواصل مع الأسد، الذي أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش.
ونقلت «ذا أتلانتيك» شهادات عشرات من رجال البلاط والضباط في قصر تشرين بدمشق، الذين أعطوا رواية تقول إن انهيار النظام لم يكن حتميًا بجغرافية سياسية فقط، بل كان مرتبطًا بشخصية الأسد ذاته، حيث وصفوه بأنه منفصل عن الواقع، ومهووس بالجنس وألعاب الفيديو، وكان بإمكانه إنقاذ نظامه قبل سنوات لو لم يكن عنيدًا ومغرورًا.
أضاف تقرير الصحيفة أن العديد من الدول في المنطقة لم تكن ترغب بسقوط الأسد وعرضت له دعمًا في أوقات سابقة، حيث اتصل وزراء خارجية به حتى في أواخر أيامه، عارضين عليه صفقات، لكنه لم يرد وأظهر عدم اهتمام كبير بأي اقتراح، معتبراً أن أي عرض هو إهانة شخصية له، ومن جهة أخرى، اعتبر الإسرائيليون الأسد «عدوًا يمكن التعايش معه»، فهو يتحدث عن العدو الصهيوني ولكنه حافظ على هدوء الحدود بين الدولتين، حيث نقل مسؤول إسرائيلي سابق قوله: «الجميع في المنطقة كان مرتاحًا لبقائه ضعيفًا ولا يشكل تهديدًا لأحد».
بل حتى الحلفاء الذين أنقذوه في السابق لم يسلموا من تصرفاته المتعجرفة، مثل إيران، بينما اقتنعت روسيا بأنه أصبح عبئًا ولا يستحق الدفاع عنه، وفي مثال على عناد الأسد، ذكرت «ذا أتلانتيك» أنه رفض عرض إنقاذ مرتبط بالصحافي الأميركي أوستن تايس الذي اختفى في سوريا منذ عام 2012، حيث أوفدت واشنطن في 2020 روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان، وأخذهما اللواء عباس إبراهيم، رئيس الأمن العام اللبناني آنذاك، إلى دمشق للقاء علي مملوك، أحد كبار مسؤولي الأمن في النظام، وقد طرح الأميركيون قضية تايس، لكنه رد بأن أي بحث يتطلب أولاً رفع العقوبات وسحب القوات الأميركية من سوريا، فيما كانت الحكومة الأميركية مستعدة لإجراء صفقة مقابل إثبات بقاء تايس على قيد الحياة، ولكن الأسد قطع الحوار، حيث قال عباس إبراهيم للصحيفة إن مملوك برر الرفض لأن ترامب وصف الأسد بأنه حيوان قبل سنوات.
أيضًا معروفٌ عن عباس إبراهيم أنه ذكر أن الأميركيين كانوا سيغلقون الملف حتى لو كان تايس قد مات، شريطة أن يعرفوا مصيره، وأنه تلقى مكالمة من مايك بومبيو أبدى فيها استعداده للسفر إلى سوريا بطائرة خاصة، ورغم ذلك، فإن رفض الأسد كان يعد سلوكًا غير عاقل، وبينما حاولت إدارة بايدن في عام 2023 تجديد العرض من خلال وفد رفيع إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين، تصرف الأسد بطريقة شبه مهينة حيث رفض إرسال مسؤول رفيع وأرسل بدلاً منه سفيرًا سابقًا لم يُسمح له حتى بالتطرق لموضوع تايس.

