في خطوة تعيد رسم خريطة الاقتصاد اليمني، كشفت مصلحة الجمارك عن قفزة غير مسبوقة في الأداء المالي والرقابي لموانئ العاصمة المؤقتة عدن، مؤكدة أن المدينة استعادت دورها التاريخي كـ “الرئة الاقتصادية” للبلاد. التصريحات التي أدلى بها رئيس المصلحة لقناة اليمن الفضائية، لم تكن مجرد أرقام جافة، بل كانت مؤشراً واضحاً على نجاح سياسة الانضباط المالي والتحول الرقمي الذي تتبناه القيادة السياسية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي.
الأرقام تتحدث بصوت عالٍ؛ فخلال عام 2025 وحده، نجحت موانئ عدن في تحصيل رسوم جمركية بلغت 320 مليار ريال يمني، من أصل إجمالي إيرادات وصلت إلى 698 مليار ريال في كافة المناطق المحررة.
وهذا الزخم لم يتوقف عند حدود العام الماضي، بل تسارع وتيرته في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، حيث سجلت الإيرادات نحو 98 مليار ريال، مما يعني أن عدن وحدها تساهم بنسبة 47% من إجمالي الدخل الجمركي للمناطق المحررة، وهو ما يجعلها بالفعل “قاطرة التنمية” كما وصفها المسؤولون.
لكن السر وراء هذه الأرقام القياسية لا يكمن فقط في زيادة الواردات، بل في “الثورة الإدارية” التي شهدتها المصلحة. فمنذ صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لعام 2025، التزمت الجمارك بآلية صارمة للتوريد النقدي المباشر، حيث تذهب كل فلس يتم تحصيله يومياً مباشرة إلى حساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، دون وساطة أو تأخير، مما عزز الثقة في الاستقرار النقدي وأغلق الباب أمام أي تسريبات مالية.
وعلى الصعيد التقني، عاشت الجمارك نقلة نوعية بانتقالها من النظام القديم (+Asycuda) إلى نظام “Asycuda World” العالمي، المتصل بالشبكة العنكبوتية، مما وفر شفافية كاملة وربطاً مباشراً مع البيانات العالمية. ولم يتوقف الأمر عند البرمجيات، بل شمل البنية التحتية أيضاً، حيث استفادت المصلحة من منحة يابانية قيمتها 4.6 مليون دولار لتوفير أحدث أجهزة الفحص اليدوي (X-Ray) وإنشاء مركز معلومات جمركي حديث يواكب التطورات العالمية.
نتيجة لهذه الإصلاحات، ظهر مفهوم “التاجر الموثوق” إلى النور، وهو نظام سمح بتقليص زمن الإفراج عن البضائع إلى 4 ساعات كحد أقصى، بعد أن كان يستغرق أياماً طويلة، مما خفف العبء عن المستوردين وشجع الحركة التجارية.
بالتوازي مع ذلك، عادت الخطوط الملاحية المباشرة للعمل، خاصة مع الموانئ الصينية الكبرى، فيما يجري العمل على رفع كفاءة الكوادر البشرية وتطوير الأرصفة والمعدات، بهدف تحويل عدن من مجرد ميناء عبور إلى مركز لوجستي إقليمي تنافسي بامتياز.

