التخطي إلى المحتوى
“قفزة تاريخية” نائب محافظ البنك المركزي الأسترالي يدلي بتصريحات مثيرة لدفع الدولار لأعلى مستوى له في 3 سنوات

يشهد قطاع الطاقة الكهربائية العالمي تحولًا جذريًا وغير مسبوق، فالهيمنة الاقتصادية للوقود الأحفوري، وربما الطاقة النووية أيضًا، تتآكل تدريجيًا أمام التوسع المتسارع في تبني تقنيات التوليد المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يشبه هذا التحول الاقتصادي-التكنولوجي، إلى حد كبير، منافسة رياضية أو ساحة صراع تفرز فائزين وخاسرين واضحين، وتنطلق هذه الرؤية من فرضية منطقية مفادها أن التقنيات المتفوقة والأقل تكلفة لإنتاج سلعة متماثلة لا بد وأن تحقق الهيمنة في نهاية المطاف.

تطور التلغراف والهاتف: درس تاريخي

حصل ألكسندر غراهام بيل على براءة اختراع الهاتف في الولايات المتحدة عام 1876، وبحلول أوائل القرن العشرين، كان انتشار خدمات الهاتف على نطاق واسع في طريقه ليصبح القاعدة السائدة، ومن المثير للاهتمام، أنه خلال تلك الفترة المبكرة، ورغم التزايد المطرد في استخدام الهاتف، استمر الاعتماد على التلغراف في الارتفاع أيضًا مع توسع الاقتصاد العام، فقد اعتمد كبار المستخدمين التجاريين بشكل كبير على المعلومات التي ينقلها، خصوصًا في الأسواق المالية، والسكك الحديدية، والصحف، والجهات الحكومية، وكان شريط الأسعار في وول ستريت في الأصل شكلًا متخصصًا من أشكال التلغراف، (ويجدر الذكر أن نظام التلغراف نفسه كان قد حل محل خدمة “بوني إكسبرس” التي كانت تستغرق عشرة أيام لنقل الرسائل من ميزوري إلى كاليفورنيا)؛ عاشت تقنيتا الهاتف والتلغراف، المتنافستان بطبيعتهما، جنبًا إلى جنب وازدهرتا معًا حتى بدايات القرن العشرين، رغم أن التوسع في خدمات الهاتف العابرة للقارات بدأ نحو عام 1920 في تقليص الطلب على التلغراف تدريجيًا، أما شركة “ويسترن يونيون”، التي كانت المزود المهيمن لخدمات التلغراف والمُؤسَّسة عام 1851، فقد بدأت تفقد مكانتها بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن تتلاشى فعليًا في ثمانينيات القرن الماضي نتيجة إعادة هيكلة مؤسسية غير موفقة وتراكم ديون كبيرة، ومع ذلك، ظل اسمها محتفظًا بقيمة وهيبة كافيتين للاستمرار حتى عام 2006 في نشاط تحويل الأموال، لقد تعايشت تقنيتا الاتصالات، الهاتف والتلغراف، وحققتا أرباحًا لعدة عقود، رغم أن إحداهما كانت تنزلق تدريجيًا نحو التهميش التكنولوجي، من هذا المنظور التاريخي، يرى التحليل أن مصادر الطاقة المتجددة تمثل اليوم التكنولوجيا المهيمنة الجديدة في توليد الكهرباء، على غرار الهاتف الذي أزاح التلغراف، بينما سيأخذ الوقود الأحفوري مسار التلغراف في التراجع التدريجي.

تفوق الطاقة المتجددة: أسباب حاسمة

على المدى الطويل، يُرجَّح، وفق هذه الرؤية، أن تتفوق الطاقات المتجددة بشكل حاسم على الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء لعدة أسباب رئيسية:

  • **أولًا، انخفاض التكلفة التشغيلية طوال دورة الحياة.** فمصادر الطاقة المتجددة لا تتحمل تكاليف وقود، وهو ما يُعد عاملًا حاسمًا وميزة لا تضاهى، صحيح أن التكاليف الإجمالية الحالية، مع احتساب التخزين، لا تزال متقاربة مع توليد الكهرباء منخفض التكلفة من الوقود الأحفوري، إلا أن هذا الأخير يظل عرضة لارتفاعات مستقبلية بفعل تضخم أسعار الوقود، وتكاليف مكافحة التلوث، والدعاوى البيئية التي تزيد من أعبائه، وفي المقابل، تعتمد المتجددة على استثمارات رأسمالية أولية مرتفعة نسبيًا، ثم تنتج الكهرباء بتكاليف تشغيلية منخفضة للغاية تكاد تكون معدومة، وهو ما يمثل اقتصاديًا ميزة تنافسية يصعب مجاراتها.

  • **ثانيًا، سرعة النشر والتنفيذ.** إذ يستغرق إنشاء مشاريع الطاقة المتجددة وقتًا أقل بكثير مقارنة بمشاريع الطاقة التقليدية أو النووية، والزمن يعني المال، حيث تنعكس كلفة رأس المال المجمّد لسنوات طويلة على المستهلك النهائي.

  • **ثالثًا، الانتشار المتسارع لتقنيات البطاريات.** هذا الانتشار يعزز حصة المتجددة بشكل كبير، ويعالج أبرز انتقاداتها المرتبطة بتقطّع الإنتاج، فأنظمة التخزين توفر قدرة أساسية على موازنة الإمدادات، وقد بدأت بالفعل، في ولايات مثل كاليفورنيا، في إزاحة محطات الغاز من مزيج التوليد.

  • **رابعًا، تحسّن تقنيات إدارة جانب الطلب.** هذه التقنيات تتيح تحويل الأحمال الكهربائية زمنيًا بكفاءة عالية، ويُعد كبار المستهلكين التجاريين، بحكم حساسيتهم للأسعار، شركاء محتملين فاعلين في هذه البرامج عند توفير الحوافز المناسبة لهم.

  • **خامسًا، انخفاض مستويات التلوث والتدهور البيئي.** وعلى الرغم من أهمية هذا الجانب، يرى الطرح أن هيمنة المتجددة الناشئة ترتبط بالاقتصاد أكثر من ارتباطها بدوافع المناخ، في إشارة واضحة إلى أن الحافز المالي يظل العامل الحاسم والأساسي.

الكهرباء والاتصالات: جوهر الخدمة

يمتد التشبيه التاريخي بين قطاعي الكهرباء والاتصالات إلى جوهر الخدمة نفسها، فالتقنيات تتغير، لكن الحاجة تبقى، فالتلغراف كان قائمًا على الرسائل القصيرة والبيانات، ما نسميه اليوم بريدًا إلكترونيًا أو فاكسًا، لكن وسيلة النقل تغيرت جذريًا إلى أنظمة رقمية وألياف بصرية أكثر كفاءة، وبالمثل، تراجعت صناعة الكاميرات التقليدية، رغم استمرار شغف الناس بالتصوير عبر الهواتف الذكية التي أصبحت الأداة المفضلة، وينطبق المنطق ذاته على الكهرباء، فالمستهلكون يريدون طاقة موثوقة وبأسعار معقولة، دون اهتمام كبير بكيفية إنتاجها أو مصدرها، بناءً على ذلك، يُتوقع أن تواصل الطاقات المتجددة إنتاج الكهرباء بتكلفة أقل، وبموثوقية أعلى، من نظيراتها المعتمدة على الوقود الأحفوري، ما يدفعها إلى اقتناص حصص سوقية متزايدة وإزاحة التوليد التقليدي تدريجيًا من مختلف أسواق الطاقة العالمية.

تحديات الوقود الأحفوري ومستقبله

لكي يحافظ توليد الكهرباء المعتمد على الوقود الأحفوري على هيمنته، فإنه يحتاج إلى تفوق تكنولوجي ملموس، وقدرة على خفض الأسعار دون المنافسين، وهما عاملان لا يمتلكهما حاليًا، وفق هذا الطرح، فتكاليفه مرشحة للارتفاع المستمر مع التضخم وتقلبات أسواق الغاز والنفط العالمية، بينما تنخفض تكاليف المتجددة بشكل ثابت ومطرد مع التقدم العلمي المستمر في كفاءة الألواح الشمسية ومواد البطاريات، بالإضافة إلى وفورات الحجم، في ضوء هذا النمط من المنافسة الاقتصادية الشرسة، الذي يُشبَّه بحرب لا يخرج منها سوى منتصر واحد، يخلص التحليل إلى أن صناعة الوقود الأحفوري قد تكون خسرت المعركة بالفعل، أو أنها في طريقها الحتمي إلى ذلك.