في زمن الدولة الراعية، لم يكن المرض فزعاً اقتصادياً بقدر ما كان عارضاً صحياً يمكن احتواؤه. كان الأب يحمل ابنه الى المستشفى الحكومي مطمئناً، لا يفتش في جيبه قبل أن يطرق باب الطوارئ، لأنه يعرف أن هناك نظاماً صحياً ودولة تدعمه وتحميه، يلجأ اليها المريض قبل أن يستفحل المه. وحتى مع وجود مشاف ومستوصفات خاصة انذاك، فإن كلفتها لم تكن تشكل عبئاً خانقاً. لم تكن الحياة تقاس بقدرة المريض على الدفع، ولا كانت ابواب العلاج تفتح بمفاتيح المال. كان الطبيب جزءاً من رسالة، لا رقماً في سوق نخاسة.
اليوم، تغير كل شيء. لم يعد السؤال: ما الذي يعانيه المريض؟ بل: كم يستطيع أن يدفع؟
تحولت المستشفيات الى مؤسسات استثمارية تدار بلغة الارباح والخسائر. صار المرض فرصة، والمريض مشروع دخل، والألم سلعة قابلة للتسعير. وبين غرفة الطوارئ وغرفة العمليات، لا يواجه الانسان مرضه فقط، بل عجزه عن تغطية تكاليف النجاة، فتتآكل كرامته قبل جسده.
ولم تتوقف الصورة عند المستشفيات. في سوق الدواء، تتفاقم الأزمة: اسعار ترتفع بلا ضابط، وادوية تسعر بارقام مبالغ فيها، وتتراجع معايير الجودة في بعض الاصناف في ظل غياب الرقابة. يصبح الشفاء مخاطرة، ويغدو المريض عالقاً بين غلاء خانق وغش لا يدرك بسهولة.
اليوم، لم يعد مستغرباً أن يبيع اب منزله لاجراء عملية، او أن ترهن ام ما تبقى من ذهبها لعلاج قد لا ينقذ ابنها. ويمتد العبء احياناً الى العلاج في الخارج بما يفوق قدرة الاسر. فالمؤلم ليس فقط فقدان المريض، بل أن يرحل وهو يشعر أنه استنزف من حوله. هنا تمتزج الكلفة المادية بالوجع الانساني، لتتحول التجربة إلى انكسار شامل: موت بالجسد و وانطفاء في الروح.
الفارق لم يعد خافياً: بين طبيب يرى في مهنته رسالة، واخر يراها صفقة؛ الاول ينصت لوجعك، والثاني يحسب كلفته.
لكن الخلل اعمق من الافراد؛ إنه خلل منظومة. حين تنسحب الدولة وتترك الصحة لقانون السوق الأعمى والجشع، فيضيع الحق وتغدو الحياة خاضعة لمعادلة الربح والخسارة.
إن المأساة ليست في المرض ذاته، بل في أن يجبر الإنسان على الاختيار بين العلاج والبقاء. واستعادة الطب كرسالة لم تعد ترفاً، بل ضرورة تبدأ بدور فاعل للدولة، ورقابة صارمة، ونظام صحي عادل.
ويبقى السؤال: كم ثمن الحياة؟ وإذا كانت الإجابة: كل ما نملك. فذلك يعني أننا فقدنا ما هو اثمن، فقدنا وطناً يحمي الحياة.

