لا تُسقطوا الأحزاب.. وأنتم لم تبنوا دولة
لا تُسقطوا الأحزاب.. وأنتم لم تبنوا دولة

لا تُسقطوا الأحزاب.. وأنتم لم تبنوا دولة- نبض مصر

كأنها هي؛ لم يرقْ لمن لا يروق له شيءٌ سوى الانتقام أن يتعلّم، والنتيجة – كما يراها – ستتكرر. وفي بلدٍ كاليمن، حيث تتداخل السياسة بالتاريخ، وتتشابك الأحزاب مع مصائر الناس، يصبح الحديث عن التوازن الوطني أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. والأحزاب – وهي غير معصومة عن الخطأ – فإن هدمها في لحظة ارتباك، في حقيقته هدم لفكرة الدولة ذاتها.

هل أدافع عن التجمع اليمني للإصلاح بوصفه حزباً كاملاً؟
الإجابة: لا.
ولا أستدعي أيضاً خطاب التعبئة أو الشعارات الجوفاء. بل أكتب من موقع أكثر بروداً، وأكثر قلقاً في آنٍ معاً؛ أرى في استهداف الأحزاب، أيّاً كانت، انزلاقاً خطيراً نحو فراغ سياسي لا يُملأ بغير الفوضى.

لقد أخطأ الجميع..
في أحداث 2011 اليمنية، لم يكن أحد بريئاً من سوء التقدير. وفي أحداث 2014، تكررت الأخطاء بصورة أكثر فداحة، حين اختلطت الحسابات السياسية برهانات القوة، فكان الثمن انهياراً متسارعاً لبنية الدولة.

لكن السؤال اليوم ليس: من أخطأ؟
بل: ماذا تبقّى؟

انظروا معي إلى المشهد؛ نجد أن المؤتمر الشعبي العام قد تمزّق فعلياً، ولم يعد كتلة واحدة، تطايرت شظاياه متباعدة، ولكلٍّ منها حساباته. ما بين وارث محبوب، وشخصيات سياسية تلتقي في كل شيء إلا الاتفاق على تفعيل الحزب الأكثر جماهيرية في تاريخ اليمن.

وجنوباً، ودّع المجلس الانتقالي حياته الصاخبة، وأعلن حلّ نفسه.

وفي شمال الشمال، وبين هذا وذاك، تُصرّ ميليشيا الحوثي الإرهابية على الادّعاء بالحضور، رغم غياب وجوه كثيرة عن المشهد، لم يعد يُسأل عنها أحد، ولا يُتساءل: أين هم؟ وكأن كل ما في الحياة ضدهم، وهم في سعي حثيث لإعادة إنتاج ذواتهم ككيان مسلح، ذي طابع أيديولوجي عنصري مغلق.

وفي هذا الفراغ، لا يبقى كثيرون،
إلا تجمع الإصلاح؛ الذي استطاع أن يحافظ على حدٍّ أدنى من البنية التنظيمية، وعلى خيط ما يربطه بفكرة العمل السياسي الجمهوري، قريباً كان أم بعيداً عن منطق العمل المسلح.

من هنا، يصبح النظر إلى الإصلاح مختلفاً؛ فلا هو “الحزب المنقذ”، ولا “الخصم الذي يجب شيطنته”. فكل ذلك حقد تبنيه مواقف الماضي بنوع من الغلوّ المدمّر. تاريخه السياسي مع الوحدة لا يمكن إسقاطه، فإن حدث ذلك، وصار مُصنّفاً في خانة الإرهاب، سقط ما تبقّى من إمكانية قيام نظام سياسي تعددي في المستقبل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم، أن يُعاد تعريف الحياة السياسية من خارج الأحزاب؛ حيث تتحول البنادق إلى بديل عن البرامج، وتصبح الولاءات الضيقة بديلاً عن المؤسسات، وينمو البارود كجبل دخان، ليؤسس فوضى دائمة.

التجربة اليمنية تقول ذلك بوضوح:
لقد تراجع حضور الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب، بعناد من السلطة التي فازت في حرب 94م. فمن ملأ الفراغ؟، جاءت التكوينات غير السياسية لتعبّر عن الغضب. وحين انقسمت الأحزاب الكبرى، توقف الممكن، وحدث المستحيل، وبدت هشاشة كل شيء مكشوفة أمام أطماع غزاة الإمامة الدموية.

ولهذا، فإن الحفاظ على الأحزاب دفاع عن المستقبل؛ حافظوا على المؤتمر، لأنه جزء من التوازن. حافظوا على الإصلاح، لأنه مكوّن في معادلة معقدة. حافظوا على الناصري، والاشتراكي، وكل ما تبقّى من فكرة العمل الحزبي، لأن البديل يعني غياب الأحزاب جميعاً.

وفي زمن الحرب، لا يمكن بناء نظام سياسي جديد. هذه قاعدة بديهية، لكنها كثيراً ما تُنسى. فالحروب تُجمّد السياسة، ولا تُنتجها. وأي محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي تحت ضغط السلاح، لن تكون سوى إعادة توزيع للقوة، فيما يصبح الابتعاد عن الدولة خياراً إجبارياً لمن اختار هذا المسار.

ندعو صادقين، اليوم، لا تعلنوا اصطفافكم خلف حزب، ولا تقولوا ما لا تفعلون. وما تقولونه علناً، يجب أن تلتزموا به قولاً وفعلاً في السر. وتوقفوا – يا من تسمعوننا – عن هذا الانجراف نحو تدمير ما تبقّى من الهياكل السياسية.

فاليمن، بكل بساطة، لا يحتمل صفراً سياسياً. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فهي هذه: لا تُسقطوا الأحزاب، وأنتم لم تبنوا دولة بعد.

والله المستعان.