تعرضت مالي لسلسلة هجمات منسقة واسعة النطاق، شملت العاصمة باماكو وعدة مدن استراتيجية في الشمال والوسط، في تصعيد يُصنف كالأعنف منذ سنوات. وأشارت تقارير ميدانية إلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، برفقة عدد من أفراد أسرته، إثر الهجمات الدامية التي استهدفت قلب العاصمة.
بحلول مساء السبت 25 أبريل، ظل الجنرال أسيمي جويتا، رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي، بعيداً عن الأنظار وصامتاً؛ وربما كان ذلك علامة على الشلل، أو الذعر في قمة هرم الدولة.
فمنذ الصباح الباكر، كانت البلاد تشهد هجوماً بنطاق غير مسبوق، قاده “جهاديو” جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتنسيق مع الطوارق المطالبين بالاستقلال من جبهة تحرير أزواد.
ولم يحدث من قبل أن شُن هجوم على عدة مدن تفصل بينها مئات الكيلومترات، حشد على الأرجح أكثر من 1000 مقاتل وكمية كبيرة من الأسلحة، وتطلب تعاوناً تكتيكياً وثيقاً بهذا الشكل. وقد نجح الهجوم في زعزعة أركان الحكومة في باماكو.
ومع بزوغ الفجر، اجتاح مئات المسلحين عدة مدن استراتيجية في مالي: كيدال وجاو في الشمال، وسيفاري في الوسط، وباماكو وكاتي في الجنوب. وتعد الأخيرة مدينة “حامية عسكرية” تبعد أقل من 20 كيلومتراً عن العاصمة، وتضم معسكر سوندياتا كيتا، القاعدة العسكرية الرئيسية في البلاد، والتي أصبحت مركز السلطة منذ أن أطاح الجيش بالمدنيين في عام 2021.
وفي حوالي الساعة 6 صباحاً، “وصل المهاجمون على دراجات نارية وعدد قليل من شاحنات البيك آب، وكانوا يرتدون نفس الزي الرسمي لجنودنا، ثم بدأوا في إطلاق النار”، هكذا صرّح جندي متمركز في كاتي لصحيفة لوموند، مشترطاً عدم كشف هويته.
ووصفت جميع المصادر التي تواصلت معها الصحيفة الوصول المفاجئ لمجموعات من الرجال على مركبات ثنائية الدفع، مدعومين بسيارات رباعية الدفع.
وقال معلم من مدينة كاتي لصحيفة لوموند: “صوت الدراجات النارية هو ما أيقظني، ورأيت العشرات منها عبر نافذتي المطلة على الطريق المؤدي إلى المعسكر العسكري، وكان الرجال يحملون أسلحة ثقيلة. وبعد عشر دقائق، سمعت أولى الطلقات، فأيقظت أطفالي الثلاثة على الفور واستلقينا في الممر لحماية أنفسنا من الرصاص الطائش”.
ضربة رمزية
نجح المهاجمون في ضرب أهداف استراتيجية؛ إذ أُغلق مطار باماكو منذ بداية اليوم، وفي مدينة كاتي، دُمّر منزل وزير الدفاع ساديو كامارا بواسطة عبوة ناسفة. وبحلول نهاية اليوم، لم يتضح ما إذا كان الرجل الثاني القوي في النظام – واللاعب الرئيسي في التحالف بين روسيا ومالي – لا يزال على قيد الحياة. ومساء السبت، كانت باماكو وكاتي لا تزالان تحت وطأة إطلاق نار متقطع بعد ساعات قليلة من الهدوء، كما فُرض حظر تجوال.
وأعلن الطوارق المطالبون بالاستقلال في جبهة تحرير أزواد سيطرتهم على مدينة كيدال شمالي البلاد، وهو استيلاء يحمل دلالة رمزية كبيرة. وقال أتاي أج محمد، وهو مسؤول رفيع في جبهة تحرير أزواد، لصحيفة لوموند: “أعداؤنا محاصرون في قاعدة مينوسما السابقة”، في إشارة إلى بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، مؤكداً: “نحن نسيطر على المدينة”.
وإذا تأكدت بالفعل استعادة هذا المعقل التاريخي للمتمردين، فستكون بمثابة انتصار كبير للطوارق، الذين تلقوا دعماً في هذه المعارك من “جهاديي” جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وكان القوات المسلحة المالية، مدعومة بحلفائها من مجموعة فاجنر، قد استعادت المدينة في عام 2023 وسط احتفال باذخ باعتبارها رمزاً لسيادة وطنية مستردة بعد 12 عاماً من الاحتلال.
وليلة السبت، ادعى كل جانب تحقيق النصر بعد أعمال العنف التي شهدها اليوم، لكن لم تتوفر أي حصيلة للضحايا. وأعلن بيان صادر عن الأركان العامة المالية أن “عمليات تمشيط” جارية في عدة مدن، مشيراً إلى “هزيمة الإرهابيين” و”تحييد المئات منهم”.
ميزان قوى جديد يلوح في الأفق
لم تستطع هذه الخطابة أن تواري حجم الإهانة التي تعرضت لها باماكو. ففي بيان صدر باللغة العربية، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين “مسؤوليتها” عن الهجمات وأعلنت “النصر” الذي وصفته بأنه ثمرة “عمل دؤوب”.
لقد تبلور الآن ميزان قوى جديد في مالي، إذ لم يبدُ المجلس العسكري أضعف مما هو عليه الآن. وخلال الأيام الأخيرة، ترددت شائعات في الأوساط الصحفية والدبلوماسية عن هجوم وشيك لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما لم يكن بوسع الحكام العسكريين تجاهله، ومع ذلك، فقد عجزوا عن منع الهجوم.
“كان هجوم السبت مفاجأة في حد ذاته، وغير مسبوق في حجمه، لكنه جزء من اتجاه أوسع ظهر في الأشهر الأخيرة”، هكذا حلل باحث متخصص في شؤون الساحل، تحدث شريطة عدم كشف هويته، مضيفاً: “زادت الجماعات الجهادية ضغوطها بشكل مطرد على المجلس العسكري”. وقد وسعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نطاق سيطرتها من الشمال إلى الجنوب والوسط، وانتقلت من المناطق الريفية إلى المدن. ومنذ سبتمبر 2025، فرضت الجماعة حصاراً على الوقود، مما أدى لقطع الطرق ومهاجمة شاحنات الصهاريج وخنق العاصمة لأسابيع؛ وفي مارس، اضطرت السلطات لإطلاق سراح مئات الجهاديين مقابل تخفيف هذا الحصار.
وفي جاو وكيدال، يعد التنسيق العلني وغير المسبوق بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد تطوراً جديداً؛ إذ أشادت الجماعة بهذا التعاون، مسلطة الضوء على “المشاركة الفعالة من إخوتنا في جبهة تحرير أزواد”. وقال أندرو ليبوفيتش، وهو باحث أمريكي في معهد “كلينجينديل” الهولندي ومتخصص في شؤون الساحل، إن هذه ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها الحركتان المسلحتان، لكنها المرة الأولى التي تظهران فيها اتفاقهما علانية. وفي عام 2012، كان التمرد الذي أدى إلى انقلاب، أعقبه تدخل عسكري فرنسي لمنع سقوط باماكو، نتيجة تحالف بين الطوارق المطالبين بالاستقلال (تحت لواء الحركة الوطنية لتحرير أزواد آنذاك) وسلف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي).
هزيمة نكراء
“نحن نتعاون مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، هكذا أكد أتاي أج محمد، أحد المسؤولين الرفيعين في جبهة تحرير أزواد، في اتصال مع صحيفة لوموند، وأردف: “نحن نقاتل نفس العدو، وإن اختلفت أهدافنا؛ فهدفنا هو إقامة دولة في الشمال، لكننا لا نعارض مشروعهم لإقامة نظام إسلامي”. وأضاف: “يعد يوم السبت هذا اليوم الأول لهجوم حقيقي لتحرير السكان من السلطات المالية وشركائها الروس، فنحن نريد إزاحة حكومة باماكو عن السلطة”. وبحسب مصادر متعددة، عززت جبهة تحرير أزواد قدراتها العسكرية في الأشهر الأخيرة واستعدت بنشاط لهذا الهجوم.
ومع ذلك، يبدو الوضع الآن، رغم خطورته، أقل هشاشة للمجلس العسكري مما كان عليه في عام 2012؛ فالجيش المالي أصبح أكثر تنظيماً، ومدعوماً بنحو 2000 من العناصر شبه العسكرية التابعة لـ “فيلق أفريقيا”، وهو المسمى الجديد للوجود الروسي في منطقة الساحل.
وعلاوة على ذلك، فبينما يتضح هدف جبهة تحرير أزواد في الشمال، ما هو هدف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في باماكو؟ يقول جيزيكيل: “الفرضية القصوى هي أنهم يريدون إسقاط المجلس العسكري، لكن ثمة احتمال آخر، وهو أنهم يسعون حالياً فقط لتغيير ميزان القوى لصالحهم لإجبار المجلس العسكري على التفاوض، والانفتاح على فاعلين سياسيين جدد، أو دفعه للانهيار من تلقاء نفسه بمرور الوقت”. وفي بيانها الصادر يوم السبت، مدّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين يدها لروسيا، الشريك الرئيسي للجيش المالي، مقترحة “عدم استهدافها” و”تنسيقاً يهدف لبناء علاقة مستقبلية متوازنة وفعالة”.
ومهما حدث في الأيام المقبلة، “فهي هزيمة نكراء للمجلس العسكري الذي زاد ضعفاً”، وفقاً لما صرح به مصدر أمني إقليمي، وأضاف: “من غير المرجح أن يسقط الجنرالات الحاكمون في الساعات القليلة القادمة، لكن يبدو أن مصيرهم قد حُسم؛ فالنظام يترنح ويتفتت، ونحن نتجه نحو النهاية”. وفي باماكو، لم تكن الأوقات قط أكثر غموضاً مما هي عليه الآن.

