بعد مرور أربعة وعشرين عاماً على اعتقاله، لا يزال القائد الفلسطيني مروان البرغوثي يمثل رقماً صعباً في المعادلة السياسية، حيث يتجاوز حضوره الرمزي جدران الزنازين الضيقة ليفرض نفسه كبديل شعبي وقائد وطني عابر للولاءات الحزبية الضيقة. ورغم سنوات العزل الطويلة، استطاع مروان البرغوثي أن يحافظ على صدارة المشهد بانتظار المؤتمر الثامن لحركة فتح، والذي سيشكل اختباراً حقيقياً لمدى تغلغل تأثيره داخل مؤسسات صنع القرار الفلسطيني في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر.
مروان البرغوثي رمزية الصمود في مواجهة بطش الاحتلال
تجسد حكاية القائد الفلسطيني مروان البرغوثي فصلاً مأساوياً وملهماً في آن واحد من فصول النضال الوطني، حيث دخل عامه الرابع والعشرين في الأسر وهو لا يزال يحتفظ ببريق الأمل في عيون الفلسطينيين الذين يرون فيه المخلص. فمنذ لحظة اعتقاله عام 2002، خضع مروان البرغوثي لظروف اعتقال قاسية تضمنت العزل الانفرادي لسنوات طويلة في محاولة يائسة من سلطات الاحتلال لكسر إرادته السياسية وتحجيم دوره القيادي الذي نما وترعرع في أزقة المخيمات وساحات المواجهة الشعبية.
وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط، فإن مروان البرغوثي تعرض مؤخراً لسلسلة من الاعتداءات الجسدية الوحشية داخل سجن “مجدو”، حيث كشف محاميه بن مرمريلي عن تفاصيل صادمة حول تعرضه للضرب المبرح الذي خلف نزيفاً في أنحاء جسده. وتأتي هذه الهجمات في سياق سياسة ممنهجة تنتهجها مصلحة السجون الإسرائيلية بتوجيهات من اليمين المتطرف، بهدف النيل من عزيمة مروان البرغوثي الذي يرفض الانصياع لإملاءات السجان أو التنازل عن ثوابته الوطنية التي دفع ثمنها عقوداً من عمره خلف القضبان.
ورغم محاولات التغييب المتعمد، فإن مروان البرغوثي عاد ليتصدر واجهة الأخبار العالمية عقب تصريحات غير متوقعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي ألمح إلى إمكانية الضغط لإطلاق سراحه ضمن رؤية شاملة للمنطقة. وقد أثار هذا التدخل الأمريكي المفاجئ قلقاً واسعاً في الأوساط الإسرائيلية، خاصة وأن مروان البرغوثي يمتلك قدرة فريدة على توحيد الشارع الفلسطيني المنقسم، مما يجعله خطراً استراتيجياً في نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي ترفض الإفراج عنه تحت أي ظرف من الظروف السياسية.
إن الحالة الصحية والميدانية التي يعيشها مروان البرغوثي اليوم تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، خاصة بعد التقارير التي تتحدث عن تركه ينزف لساعات دون تقديم علاج طبي مناسب له. فالمواجهة بين مروان البرغوثي ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير داخل الزنزانة، لم تكن مجرد صدام عابر، بل كانت صراعاً بين منطق القوة الغاشمة ومنطق الحق الوطني الذي يمثله هذا القائد الذي لم تزدْه سنوات السجن إلا إيماناً بحتمية الحرية.
المؤتمر الثامن وتحديات الشرعية داخل حركة فتح
تتجه الأنظار اليوم نحو مدينة رام الله حيث يستعد الفلسطينيون لعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في منتصف شهر مايو المقبل، وهو الحدث الذي سيعيد تقييم وزن مروان البرغوثي داخل أروقة الحركة. ففي المؤتمر السابق، حصد مروان البرغوثي أعلى الأصوات في انتخابات اللجنة المركزية، مما عكس قاعدة جماهيرية كاسحة تتجاوز الحسابات التنظيمية التقليدية، وتؤكد أن شرعيته مستمدة من تضحياته الميدانية وقيادته للانتفاضة الثانية التي جعلت منه أيقونة وطنية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات.
ويعتقد الكثير من المراقبين أن مروان البرغوثي يمثل “التيار العرفاتي” الأصيل الذي يجمع بين المقاومة والعمل السياسي، وهو النهج الذي تفتقده الساحة الفلسطينية حالياً في ظل حالة الجمود السياسي الراهنة. ورغم أن القيادة الحالية في رام الله قد حاولت ملء الفراغ عبر تعيينات جديدة، إلا أن اسم مروان البرغوثي يظل يتردد في كل زاوية كخليفة طبيعي للرئيس محمود عباس، بفضل قدرته على جسر الهوة بين الفصائل المختلفة، بما في ذلك حركة حماس.
إن العلاقة المعقدة بين مروان البرغوثي والقيادة الرسمية للسلطة الفلسطينية تتسم بالشد والجذب، حيث يرى فيه البعض تهديداً للمراكز التقليدية، بينما يراه آخرون طوق النجاة الوحيد للحفاظ على بقاء المشروع الوطني. فالمصالحات الأخيرة التي قادها الرئيس عباس تهدف ظاهرياً لتوحيد الصفوف، لكنها في العمق تحاول استيعاب حالة الغليان الشعبي المطالبة بدمج مروان البرغوثي في صناعة القرار الفعلي، وعدم الاكتفاء بالتضامن الكلامي والبيانات الإنشائية التي لا تغير من واقع أسره شيئاً.
وتشير المصادر إلى أن مروان البرغوثي يخطط بوضوح للمنافسة في أي انتخابات رئاسية قادمة، سواء تم اختياره كمرشح رسمي لحركة فتح أو خاض المعركة بشكل مستقل كما فعل سابقاً. فهذه الإرادة الصلبة تعكس وعي مروان البرغوثي بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن ينبع إلا من خلال تفويض شعبي مباشر، يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية دولياً، ويفرض واقعاً جديداً يجبر الاحتلال والعالم على التعامل مع قائد منتخب من خلف قضبان السجون الإسرائيلية المظلمة.
مروان البرغوثي جسر الوحدة بين فتح وحماس
لم يعد مروان البرغوثي مجرد قائد في حركة فتح، بل تحول إلى نقطة التقاء وطنية تحظى باحترام منقطع النظير من قبل حركة حماس وبقية فصائل المقاومة، التي ترى فيه شريكاً صادقاً. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال مفاوضات تبادل الأسرى الأخيرة، حيث أصرت حماس على إدراج اسم مروان البرغوثي ضمن قائمة “الخمسة الكبار” المطلوب الإفراج عنهم، معتبرة أن حريته تمثل انتصاراً للمشروع الوطني المقاوم برمته، وخطوة ضرورية نحو إنهاء الانقسام الداخلي الذي استنزف طاقات الشعب الفلسطيني لسنوات.
ويرى المحللون أن مروان البرغوثي يمتلك “كاريزما” نادرة تمكنه من الحديث بلغة مشتركة مع كافة التيارات، فهو يجمع بين الشرعية النضالية والتاريخ السياسي الطويل، مما يجعله القائد الوحيد القادر على قيادة حكومة وحدة وطنية. إن هذا الدعم الذي يتلقاه مروان البرغوثي من غزة والضفة على حد سواء، يزعج إسرائيل التي تدرك أن بقاءه في السجن هو الضمان الوحيد لاستمرار حالة التشرذم الفلسطيني التي تغذيها سياسات الاستيطان والتهويد الممنهجة.
إن التحول في موقف حماس تجاه مروان البرغوثي يعكس نضجاً سياسياً وتغليباً للمصلحة الوطنية العليا على الحسابات الحزبية، فهم يدركون أن وجود قائد بوزن مروان البرغوثي على رأس الهرم السياسي سيغير قواعد اللعبة. فبإمكانه إعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية ودمج كافة القوى فيها، مما يمنح الموقف الفلسطيني قوة تفاوضية وميدانية مضاعفة، ويضع حداً لمحاولات تهميش القضية في المحافل الدولية التي بدأت تمل من تكرار الوجوه والسياسات القديمة.
ومن خلف زنزانته، يتابع مروان البرغوثي تفاصيل الحرب على غزة وتداعياتها على الضفة الغربية، ويرسل رسائل تؤكد على ضرورة التلاحم الشعبي ونبذ الخلافات الجانبية في مواجهة حرب الوجود التي يتعرض لها الفلسطينيون. إن كلمات مروان البرغوثي المقتضبة التي تخرج عبر المحامين، تشكل بوصلة للشباب الفلسطيني الذي يرى فيه امتداداً لروح القائد الراحل ياسر عرفات، وتجسيداً حياً لمعنى التضحية من أجل المبادئ التي لا تقبل المساومة أو الانكسار تحت وطأة التعذيب.
التفاعلات الدولية وضغوط الإفراج عن القائد الأسير
دخلت قضية مروان البرغوثي مرحلة جديدة من التدويل بعد الاهتمام المفاجئ الذي أبداه البيت الأبيض، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بفشل الحلول الأمنية الإسرائيلية في تغييب دوره السياسي المؤثر ميدانياً. فالمجتمع الدولي بدأ يدرك أن استقرار المنطقة مرتبط بشكل وثيق بوجود قيادة فلسطينية قوية وشرعية، ومروان البرغوثي هو الشخصية الأكثر تأهيلاً للقيام بهذا الدور، نظراً لما يتمتع به من قبول شعبي ودولي واسع يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية الضيقة.
وتقود فدوى البرغوثي، زوجة القائد المعتقل، حملة دولية ضخمة للتعريف بمعاناته والمطالبة بحريته، حيث التقت بالعديد من القادة والمسؤولين حول العالم، مؤكدة أن مروان البرغوثي ليس مجرد سجين سياسي بل هو مفتاح السلام. هذه الجهود الدبلوماسية أتت ثمارها في تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها داخل السجون، وحولت قضية مروان البرغوثي من شأن داخلي إلى ملف دائم على طاولة النقاشات السياسية الكبرى التي تخص مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي.
إلا أن العقبة الكبرى تظل في التعنت الإسرائيلي، حيث ترى الحكومة اليمينية المتطرفة أن إطلاق سراح مروان البرغوثي سيعني اشتعال انتفاضة سياسية وشعبية جديدة تطيح بكل أحلام الضم والتوسع التي يخططون لها في الضفة. فإسرائيل تخشى من “مانديلا فلسطين”، وتدرك أن خروج مروان البرغوثي سيعيد ترتيب البيت الفلسطيني بسرعة مذهلة، وينهي حالة الضعف والارتهان التي تعاني منها بعض مفاصل السلطة، مما يعيد الصراع إلى مربعه الأول كقضية تحرر وطني شاملة.
وعلى الرغم من رفض إسرائيل لتصريحات ترمب، إلا أن الضغوط المتزايدة قد تجبر الاحتلال في نهاية المطاف على تقديم تنازلات، خاصة إذا ارتبط ملف مروان البرغوثي بصفقة تبادل شاملة تنهي الحرب وتفتح آفاقاً سياسية جديدة. فالحرية التي ينشدها مروان البرغوثي ليست شخصية فحسب، بل هي حرية لشعب بأكمله يرى في فكاك قيوده بداية النهاية لعقود من الاحتلال والظلم، وتدشيناً لمرحلة جديدة من الكرامة الوطنية التي لا تقبل القسمة على اثنين.
مستقبل القيادة الفلسطينية في ظل غياب أو حضور البرغوثي
يقف الشارع الفلسطيني اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث يمثل مروان البرغوثي الأمل الوحيد للكثيرين في استعادة المسار الوطني الصحيح بعيداً عن التجاذبات التي أضعفت القضية في السنوات الأخيرة الماضية بشكل ملحوظ. إن حضور مروان البرغوثي الطاغي، رغم غيابه الجسدي، يفرض على حركة فتح أن تختار بين التجديد الحقيقي الذي يمثله نهجه، أو الاستمرار في القوالب التقليدية التي قد تؤدي إلى تآكل شعبيتها في مواجهة التحديات المصيرية الكبرى.
ويرى المقربون من مروان البرغوثي أن مكانته تتعزز مع كل يوم يقضيه في الأسر، فالسجن لم يكن بالنسبة له مكاناً للندم بل كان مدرسة لتخريج الكوادر وصياغة الاستراتيجيات الوطنية التي تدرس بعناية. إن إصرار مروان البرغوثي على الترشح للانتخابات الرئاسية هو رسالة تحدٍ للاحتلال وللمشككين في قدرة الحركة الأسيرة على قيادة الدفة، وتأكيد على أن الشرعية لا تُمنح من الخارج بل تُنتزع من قلب المعاناة والصمود الأسطوري.
وفي حال تمكن مروان البرغوثي من نيل حريته والمشاركة في الانتخابات، فإن الخارطة السياسية الفلسطينية ستشهد انقلاباً جذرياً، حيث ستلتف حوله الغالبية العظمى من القوى الوطنية والإسلامية في مشهد توحدي لم تره فلسطين منذ رحيل عرفات. مروان البرغوثي يمثل في الوجدان الشعبي البطل الذي دفع الثمن الأغلى، والزعيم الذي لم يبع المبادئ في سوق المساومات، وهذا ما يفسر رعب الخصوم من مجرد فكرة اقتراب موعد خروجه من خلف القضبان الحديدية.
ختاماً، يظل مروان البرغوثي هو العنوان الأبرز للمرحلة القادمة، وسواء كان خلف القضبان أو في سدة الحكم، فإن تأثيره سيظل المحرك الأساسي للشارع الفلسطيني الذي لا يزال يؤمن بالحرية والعودة. إن قصة مروان البرغوثي هي قصة شعب يرفض الانكسار، وقائد يرى النور في نهاية نفق الزنزانة المظلم، مؤمناً بأن فجر الحرية آتٍ لا محالة، وأن التاريخ سيكتب بحروف من نور أسماء أولئك الذين صمدوا ولم يساوموا على كرامة وطنهم الجريح.

