تشهد العاصمة الفلبينية مانيلا تحولات دراماتيكية تعيد رسم خارطة القوى السياسية، حيث باتت نائبة رئيس الفلبين سارة دوتيرتي في قلب عاصفة قانونية ودستورية قد تنهي مسيرتها السياسية مبكراً.
هذه التطورات تأتي في وقت حساس تمر به البلاد، مع اقتراب استحقاقات انتخابية كبرى تثير شهية المتنافسين.
وحسب تقرير لشبكة بلومبرج الإخبارية، فقد أحرزت اللجنة القضائية في البرلمان تقدماً كبيراً في جهود عزل سارة دوتيرتي، ما يفتح الباب أمام انقسامات عميقة. وخلصت اللجنة في جلسة علنية بثت مباشرة إلى توافر أسباب كافية للمضي قدماً في توجيه اتهامات رسمية بسوء السلوك ضدها.
ويعكس هذا التحرك البرلماني رغبة خصوم دوتيرتي في إزاحتها عن المشهد قبل أن تترسخ قوتها الشعبية، خاصة وأنها أعلنت بوضوح نيتها الترشح للرئاسة. إن المسار القانوني الحالي لا يستهدف فقط منصبها الحالي، بل يمتد ليشمل محاولة حظرها من تولي أي منصب عام في المستقبل القريب.
وتواجه نائبة رئيس الفلبين سلسلة من الاتهامات الخطيرة التي هزت الرأي العام، أبرزها التهديد الصريح باغتيال الرئيس فرديناند ماركوس الابن. كما تتضمن الشكاوى اتهامات بسوء استخدام الأموال العامة خلال توليها حقيبة التعليم، وهي اتهامات تنفيها دوتيرتي جملة وتفصيلاً، وتصفها بأنها مؤامرة سياسية تهدف لتصفية حسابات قديمة.
ويحيل قرار اللجنة القضائية الملف برمته إلى تصويت موسع داخل مجلس النواب، حيث تتطلب الإجراءات موافقة ثلث الأعضاء لإحالة القضية إلى مجلس الشيوخ. وإذا ما تمت المحاكمة في الشيوخ وأدينت دوتيرتي، فإن ذلك سيعني إقالتها الفورية من منصبها، مما سيخلق فراغاً سياسياً كبيراً في هرم السلطة.
تحالف انكسر تحت وطأة الطموح
لقد تدهورت العلاقة بين سارة وماركوس بشكل متسارع بعد أن شكلا تحالفاً قوياً عرف باسم “يونيتيم” لخوض انتخابات عام 2022. هذا التحالف الذي حقق انتصاراً ساحقاً آنذاك، تحول اليوم إلى ساحة حرب مفتوحة، حيث باتت المنافسة بين العائلتين السياسيتين الأقوى في البلاد هي المحرك الأساسي للمشهد السياسي.
وكانت نائبة رئيس الفلبين قد استقالت من الحكومة العام الماضي بعد نشوب نزاعات حادة مع الدائرة المقربة من الرئيس ماركوس. واتهمت سارة الإدارة الحالية بالإشراف على فترة اتسمت بالفساد المستشري، معبرة عن ندمها على التحالف السابق الذي ساعد في وصول ماركوس إلى سدة الحكم في البلاد.
وفي خطاب عاطفي ألقته مؤخراً، أكدت سارة دوتيرتي عزمها خوض انتخابات الرئاسة المقررة في عام 2028، مؤكدة أنها ستقدم حياتها ومستقبلها لخدمة الشعب. هذا الإعلان جاء بمثابة تحدٍ مباشر للرئيس ماركوس الذي لا يستطيع الترشح لفترة ثانية بموجب الدستور الفلبيني الذي يحدد ولاية واحدة.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن سارة لا تزال تتصدر استطلاعات الرأي كأبرز المرشحين لخلافة ماركوس، رغم الضغوط القانونية التي تتعرض لها. ويعتمد نفوذها بشكل كبير على القاعدة الشعبية العريضة التي بناها والدها، الرئيس السابق رودريجو دوتيرتي، الذي عرف بأسلوبه الصارم والمثير للجدل في إدارة البلاد.
وعلاوة على الضغوط البرلمانية، أمرت هيئة الضرائب الفلبينية بإجراء عمليات تدقيق شاملة على تسع شركات مرتبطة بسارة وزوجها. وتأتي هذه الخطوة بناءً على إفادات حول ثروة نائبة رئيس الفلبين ومعاملاتها المصرفية التي كشفت عنها جلسات المساءلة، مما يزيد من تعقيد موقفها القانوني والمالي أمام السلطات.
اتهامات جنائية ومواجهة دستورية
تعد قضية “الأموال السرية” من أبرز الملفات التي تلاحق دوتيرتي، حيث يتهمها خصومها بإنفاق مبالغ ضخمة دون رقابة كافية. هذه الاتهامات عززتها شكاوى قدمتها مجموعات من الرهبان والقساوسة والمحامين، الذين يرون في سلوكها المالي تبديداً لثروات البلاد في وقت تعاني فيه الأسر من غلاء المعيشة المتصاعد.
وردت سارة على هذه الاتهامات بأسلوبها الحاد المعهود، حيث هاجمت مؤسسات الدولة واعتبرتها أدوات في يد السياسيين لتحقيق مصالح شخصية. وقدمت اعتذاراً للشعب الفلبيني عن غياب الأمن الغذائي وضعف النظام الصحي، محملة الإدارة الحالية مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية والارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية.
وفي المقابل، يواجه الرئيس ماركوس ضغوطاً متزايدة بسبب ما يوصف بفضيحة فساد تتعلق بصرف مليارات الدولارات على مشاريع وهمية للإغاثة من الفيضانات. ورغم تأكيده على سياسة “عدم التسامح” مع الفساد، إلا أن هذه الادعاءات منحت دوتيرتي مادة دسمة للهجوم عليه في خطاباتها الجماهيرية الأخيرة.
ويرى مراقبون أن المشهد السياسي الفلبيني يتجه نحو حالة من الاستقطاب الحاد التي قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية. فالمعركة بين القصر الرئاسي ومكتب نائبة الرئيس لم تعد مجرد خلاف إداري، بل أصبحت صراعاً وجودياً يحدد من سيسيطر على مستقبل الأرخبيل الفلبيني في العقد القادم.
إن التهديدات التي وجهتها سارة ضد ماركوس، والتي شملت الحديث عن نبش رفات والده الديكتاتور السابق، تعكس حجم الكراهية المتبادلة. هذه التصريحات المتطرفة لم تكن مجرد زلة لسان، بل يراها البعض استراتيجية مدروسة لاستثارة القاعدة القومية التي تؤيد عائلة دوتيرتي وتعتبرها منقذة للبلاد.
شبح المحكمة الدولية وإرث الوالد
لا يمكن فصل الأزمة الحالية لن نائبة رئيس الفلبين عن المأزق القانوني الذي يواجه والدها رودريجو دوتيرتي. فقد تم اعتقال الرئيس السابق مؤخراً بناءً على مذكرة من المحكمة الجنائية الدولية، وهو حدث زلزل الأوساط السياسية في مانيلا وأثار غضب أنصاره الذين اعتبروا الخطوة قمعاً سياسياً.
ومن المقرر أن يمثل رودريجو دوتيرتي أمام المحكمة الدولية في لاهاي لمواجهة تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال حملته الدموية ضد المخدرات. هذه المحاكمة تلقي بظلالها على ابنته سارة، التي تدافع بشراسة عن إرث والدها، معتبرة أن ما قام به كان ضرورة وطنية لحماية المجتمع من عصابات الإجرام.
وقد تسببت قضية المحكمة الدولية في تعميق الفجوة بين سارة وماركوس، حيث اتهمت نائبة الرئيس الحكومة الحالية بتسهيل تسليم والدها للعدالة الدولية. هذا الموقف زاد من حدة الخطاب السياسي، وجعل من قضية السيادة الوطنية والعدالة الدولية مادة أساسية في الصراع الانتخابي المبكر لعام 2028.
وتشير التقارير إلى أن رودريجو دوتيرتي أعلن تحمله المسؤولية الكاملة عن سياساته السابقة، مؤكداً أنه لن يعتذر عما فعله. هذا الصمود يمنح ابنته سارة زخماً سياسياً بين الفئات الفقيرة التي كانت ترى في دوتيرتي الأب زعيماً قوياً قادراً على فرض النظام في الشوارع التي يمزقها الإجرام.
وفي ظل هذه الضغوط، تحاول سارة دوتيرتي إعادة تقديم نفسها كضحية لاضطهاد سياسي تقوده النخبة الحاكمة في مانيلا. وتستخدم في ذلك ترسانة إعلامية قوية ومنصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب الفلبيني، محاولة إقناعهم بأن معركتها هي معركة من أجل كرامة الفلبين واستقلال قرارها السيادي.
سباق 2028 ومعركة البقاء السياسي
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، يبدو أن نائبة رئيس الفلبين تسابق الزمن لتجاوز العقبات القانونية التي قد تحرمها من الترشح. إن تقدم اللجنة القضائية في إجراءات العزل يعد العقبة الأكبر حالياً، حيث يهدف خصومها إلى إصدار حكم يمنعها نهائياً من العودة إلى العمل السياسي الرسمي.
ويرى المحللون أن دوتيرتي تعتمد على استراتيجية “الهجوم هو خير وسيلة للدفاع”، حيث لم تكتفِ بالدفاع عن نفسها بل شنت هجوماً مضاداً على شرعية ماركوس. واتهمت الرئيس باستخدام مؤسسات الدولة للتغطية على إخفاقاته الاقتصادية، مستغلة حالة التذمر الشعبي من التضخم والفقر الذي يضرب مناطق واسعة من البلاد.
إن الصراع الدائر الآن في أروقة البرلمان والمحاكم سيعيد تعريف مفهوم الولاء السياسي في الفلبين، حيث يضطر السياسيون للاختيار بين معسكر ماركوس ومعسكر دوتيرتي. هذا الانقسام قد يؤدي إلى شلل تشريعي يعيق الإصلاحات الضرورية التي تحتاجها البلاد لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة في المنطقة.
وفي ختام خطابها الأخير، أكدت سارة أنها أدركت أخيراً أن حياتها ليست ملكاً لها بل لخدمة وطنها، في رسالة واضحة بأنها لن تتراجع. وتظل الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، حيث ستحدد نتائج التصويت في مجلس النواب وما سيتبعه من محاكمات مستقبل نائبة رئيس الفلبين ومصير الطموحات السياسية لعائلتها.
إن الفلبين تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل فيه القضايا الجنائية مع الطموحات الرئاسية والعدالة الدولية. وسواء انتهت إجراءات العزل بإقالة سارة أو ببراءتها، فإن المشهد السياسي الفلبيني قد تغير للأبد، ولن تعود العلاقة بين القوى المتصارعة إلى سابق عهدها من التحالف والتعاون.

