التخطي إلى المحتوى
“من الملاعب إلى غرف القرار” كيف تتشكل «المَلَكة السياسية» في عقول القادة؟

ننطلق من إطار نظري يجمع بين مفهوم السلطة الانضباطية عند ميشيل فوكو ومفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو، لفهم كيف تُنتج الممارسة الجسدية والرمزية الطويلة الأمد حسًّا عمليًا يُعاد تكييفه داخل الحقل السياسي، ونعتمد منهج التحليل السوسيولوجي–التأويلي المقارن، ونطبقه على نموذجين معاصرين: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من زاوية تأثره بمنطق الرياضة التنافسية الهجومية، ولا سيما كرة القدم الأمريكية؛ وقائد الثورة الاسلامية في إيران الإمام علي خامنئي، من زاوية تجسيده لمنطق الشطرنج الفارسي الاستراتيجي طويل النفس، من خلال تحليل خطابات رسمية وإشارات رمزية وسلوكيات سياسية متزامنة مع لحظات تفاوضية حساسة، تُظهر المقالة كيف تتحول هذه الهابيتوسات إلى آليات غير واعية توجه عملية اتخاذ القرار تحت الضغط.

الرياضة واللعب الاستراتيجي بوصفهما فضاءين لتشكيل الهابيتوس السياسي

يعتبر ميشيل فوكو أن الحقول التي تعتمد على التدريب المنهجي والمراقبة وعمليات التكرار المنتظمة تمثل بيئات مثالية لإنتاج “أجساد منضبطة”، قادرة على الأداء الفعال دون الحاجة إلى استدعاء وعي انعكاسي دائم، ولكن أثر هذه الممارسات يمتد ليشمل أنماط الإدراك والاستجابة التي تصبح جزءًا من بنية الفعل ذاته، كما يُعمّق بيير بورديو هذا التصور من خلال مفهوم “الهابيتوس”، والذي يعرفه كنظام من الميولات المستديمة والقابلة لإعادة التكييف، والمتشكلة عبر تجربة طويلة داخل حقل اجتماعي محدد، وفي هذا السياق، يُفهم الهابيتوس ليس كمخزون من الأفكار الواعية، بل كمعرفة متجسدة أو حسّ عملي يوجّه الفعل قبل التفكير فيه، وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الهابيتوس المتكوّن في ميادين الرياضة أو الألعاب الاستراتيجية لا يتلاشى عند انتقال الفاعل إلى الحقل السياسي، بل يُعاد ترميزه وتكييفه وفق منطق هذا الحقل، ليتحوّل تدريجيًا إلى “مَلَكة سياسية”، أي قدرة متجسدة على قراءة السياق السياسي واتخاذ القرار في ظروف تتسم بالتعقيد والضغط.

دونالد ترامب: الهابيتوس الهجومي والاقتصاد الرمزي للقوة

منطق الرياضة التنافسية واتخاذ القرار المرحلي

تتميز كرة القدم الأمريكية، بوصفها رياضة مركزية في الثقافة السياسية الشعبية الأمريكية، بتقسيم الزمن إلى وحدات قصيرة، وتركيزها على التقدم المرحلي القابل للقياس، بالإضافة إلى منطق الهجوم المستمر وفرض الإيقاع على الخصم، مما ينعكس في أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحكم وإدارة الأزمات، حيث قدم ترامب حصيلة أدائه الرئاسي من خلال مؤشرات كمية ونسب نمو وإنجازات محددة زمنيًا، مؤكدًا أن الفعالية السياسية تُقاس بما يتحقق في الحاضر وليس بما يُرحّل إلى المستقبل، وهو ما يعكس تصورًا للزمن السياسي بوصفه سلسلة من جولات متعاقبة يُتوقع من كل جولة أن تنتج نتيجة ملموسة.

صورة بروس لي: الجسد المنضبط بوصفه رسالة تفاوضية

في تزامن دال مع انطلاق جولة المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان، نشر ترامب صورة للمقاتل الأسطوري بروس لي على منصته في شبكة التواصل الاجتماعي “نورث”، ولا يمكن قراءة هذه الإشارة بوصفها تعبيرًا شخصيًا معزولًا، بل كفعل رمزي يندرج ضمن اقتصاد القوة الإدراكي، حيث يمثل بروس لي، في المخيال العالمي، نموذج الجسد المنضبط القادر على الحسم السريع، ويشغل موقعًا خاصًا في الوعي الآسيوي بوصفه رمزًا للقوة الشرقية المتقنة لفنون المواجهة القصيرة، واستدعاء هذا الرمز في لحظة تفاوضية حساسة يمكن تفسيره باعتباره ممارسة من ممارسات الحرب الرمزية، حيث تُستخدم الأيقونة الرياضية–القتالية لتأكيد الجاهزية للحسم وفرض الإيقاع، بما ينسجم مع الهابيتوس الهجومي الذي يميز مقاربة ترامب للصراع.

الإمام علي خامنئي: الهابيتوس الاستراتيجي ومنطق الشطرنج

على النقيض من المنطق المرحلي السريع، يقوم الشطرنج، بوصفه لعبة استراتيجية مركزية في الثقافة السياسية الإيرانية، على التفكير بعيد المدى، وإدارة الزمن، والصبر الاستراتيجي، والتضحية التكتيكية لحماية “الملك” بوصفه جوهر اللعبة المتمثل بالجمهورية الإسلامية، وفي رسالته التلفزيونية بتاريخ 8 شباط/فبراير 2026، بمناسبة ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، وضع الإمام خامنئي التوترات الراهنة ضمن سياق تاريخي ممتد، مؤكدًا أن معيار النجاح لا يُختزل في ردّ الفعل الآني، بل في القدرة على الحفاظ على الثوابت السياسية والرمزية للنظام في المدى الطويل، مما يعكس منطق الهابيتوس الشطرنجي، حيث يُدار الصراع كسلسلة نقلات محسوبة تُعاد فيها صياغة معنى الربح والخسارة، وتُستخدم المفاوضات كأداة تكتيكية لإدارة الزمن وتعزيز التماسك الداخلي، وتندرج الردود الرمزية الإيرانية ضمن ما يسميه بورديو بالعنف الرمزي، حيث يُعاد تأطير الصراع في مستوى الشرعية التاريخية والمخيال الجمعي.

اختلاف القواعد: تصادم أنماط إدراكية

تظهر المقارنة بين الحالتين أن المواجهة الأمريكية–الإيرانية لا يمكن فهمها بوصفها صراع مصالح مادية فحسب، بل باعتبارها اصطدامًا بين نمطين إدراكيين متمايزين: نمط ترامبي يسعى إلى نتائج سريعة، واستخدام أدوات الضغط لفرض إيقاع تفاوضي حاسم، مع النظر إلى التفاوض بوصفه جولة قابلة للحسم، ونمط خامنئي يقوم على إدارة الصراع ضمن أفق زمني طويل، ورفض التفاوض تحت التهديد المباشر، واستخدام العملية التفاوضية كوسيلة للحفاظ على الجوهر الاستراتيجي للنظام، وفي هذا الإطار، يبدو التفاعل بين الطرفين أقرب إلى مواجهة بين فاعلين لا يشاركان في البنية الإدراكية نفسها، مما يجعل سوء الفهم البنيوي عنصرًا دائم الحضور في العلاقة بينهما.

الخاتمة

تبيّن هذه الدراسة أن “المَلَكة السياسية” ليست معطى فطريًا أو مهارة تقنية مستقلة، بل هي نتاج تراكمي لتنشئة جسدية ورمزية طويلة الأمد تُنتج هابيتوسات تتحول، داخل الحقل السياسي، إلى محددات إدراكية تحكم الفعل السياسي تحت الضغط، حيث يجسد الرئيس دونالد ترامب هابيتوسًا هجوميًا مرحليًا، مستمدًا من ثقافة الرياضة التنافسية الأمريكية، ويقوم على السرعة وفرض الإيقاع وتحقيق نتائج قابلة للقياس، بينما يجسد الإمام علي خامنئي هابيتوسًا استراتيجيًا طويل النفس، مستلهمًا من منطق الشطرنج، حيث الصبر، وحماية الجوهر، وإدارة الزمن تشكل عناصر البقاء السياسي، وعليه، فإن تحليل الصراعات الدولية المعاصرة يتطلب تجاوز مقاربة المصالح المباشرة نحو تفكيك الأنماط الإدراكية المتجسدة لدى القادة، حيث غالبًا ما تكون القرارات السياسية قد حُسمت على مستوى الهابيتوس قبل أن تظهر في صورة سياسات أو مواقف معلنة.

د. عاطف الموسوي