في مشهد لا يمكن فصله عن ذاكرة أبناء تهامة، قبل سبع سنوات فقط، خرج الآلاف—أكثر من خمسة آلاف مواطن—لاستقبال طارق صالح، في لحظة كانت محملة بالأمل، ومشبعة بتطلعات الخلاص. يومها، لم يكن الاستقبال مجرد حشد عابر، بل كان إعلانا واضحا بأن تهامة قررت أن تكون الحاضنة الطبيعية لقوات حراس الجمهورية، وأن تضع ثقلها الشعبي خلف مشروع استعادة الدولة..
لكن، ماذا تبقى من ذلك المشهد اليوم؟
الحقيقة المؤلمة أن تلك الحاضنة التي احتضنت المشروع بحماس صادق، بدأت تتآكل تدريجيا، حتى لم يعد يحيط بطارق سوى دائرة ضيقة من الأصوات الإعلامية، التي لا تجيد إلا صناعة الخصومات وتوسيع فجوات الخلاف. بدل أن تكون هذه النخبة جسرا بين القيادة والمجتمع، تحولت إلى أداة لتأجيج العداء، وتخوين كل من يختلف معها، وخلق معارك وهمية مع الجميع..
وهكذا، لم تعد تهامة كما كانت، بل تحولت—بفعل هذا الخطاب الإقصائي—إلى ساحة تذمر، ترفع قضية جديدة تضاف إلى قائمة القضايا المتراكمة، بعد أن كانت سندا لا يتزعزع..
الأخطر من ذلك، أن صورة حراس الجمهورية نفسها، التي كانت يوما تمثل أمل اليمنيين في التحرير واستعادة الدولة، تعرضت لتشويه غير مسبوق. لم يكن السبب قوة الخصوم، بل أخطاء الداخل، وسوء إدارة العلاقة مع المجتمع، وترك المجال لأصوت تدير المعركة بعقلية “من ليس معنا فهو ضدنا”..
ثم جاءت حادثة مقتل الشاب برهان علي جابر، لتكشف حجم الاختلال. كان بإمكان القيادة أن تتعامل مع الموقف بمسؤولية دولة، عبر تسليم المتهمين للقضاء، وترسيخ مبدأ العدالة، لكن ما حدث كان العكس تماما: تسليم تسعة من أفراد حراس الجمهورية للقبائل، في مشهد بدا مهينا للمؤسسة العسكرية، وضربا لهيبتها..
ولم يتوقف التراجع عند هذا الحد، بل وصل إلى حد القبول بتغيير مدير أمن المديرية، وسحب اللواء الثالث مغاوير، وإخلاء المواقع العسكرية المشرفة على القرى—كلها تنازلات لم تكن لتحدث لو كانت العلاقة مع أبناء المنطقة قائمة على الشراكة الحقيقية. المشكلة لم تكن في مطالب الناس بقدر ما كانت في غيابهم عن القرار منذ البداية. ومن تم إشراكهم، لم يعاملوا كشركاء، بل كديكور هامشي… “كومبارس” في مشهد كبير..
والنتيجة كانت حتمية: انفضاض الناس، وتآكل الثقة، وتحول الحاضنة إلى حالة من البرود—إن لم نقل الرفض..
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل نتيجة مباشرة لتراكم أخطاء: ممارسات ميدانية غير محسوبة، وخطاب إعلامي متشنج، ونخبة تصر على خوض معارك طواحين الهواء، حتى نجحت—للأسف—في تشويه الدور الحقيقي لحراس الجمهورية، ودفع الآخرين للاصطفاف ضدهم..
السؤال الذي يفرض نفسه الآن:
هل يدرك طارق صالح حجم هذا التحول قبل فوات الأوان؟
هل يعيد الاعتبار لأبناء تهامة، ويضعهم في مقدمة الصفوف كشركاء حقيقيين في القرار والميدان؟
أم أنه سيستمر في الاستماع إلى دائرة ضيقة، تعزله أكثر فأكثر عن محيطه الطبيعي؟
في السياسة كما في الميدان، لا يكفي أن تمتلك القوة، بل يجب أن تحسن إدارتها. وفي الأخير رسالتي لمن يطلق على نفسه الفارس، يجب أن يثبت أنك كذلك بالفعل، وأخشى ما أخشاه أن تكتشف متاخرا، أنك لم تكن تمتطي حصانا كما كنت تظن، بل كنت تسير في اتجاه خاطئ منذ البداية..

