من حجور إلى دهم.. حقد الحوثي يهدد القبيلة
أحمد الشميري

من حجور إلى دهم.. حقد الحوثي يهدد القبيلة- نبض مصر

ما يجري اليوم في مناطق قبائل دهم بمحافظة الجوف شرق اليمن من جرائم واختطافات واعتداءات وحملات حوثية متصاعدة، لا يمكن تفسيره باعتباره أحداثاً طارئة أو سلوكاً عشوائياً، بل هو امتداد واضح لمشروع يستهدف تفكيك البنية القبلية في اليمن وضرب مكانتها التاريخية.

إن هذه العصابة التي تقدم نفسها على أنها سلطة أمر واقع، وتفرض ذلك تحت تهديد السلاح، تمارس في الحقيقة سلوكاً ممنهجاً يقوم على القمع والإقصاء، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها لا تؤمن بالسلام ولا التعايش السلمي، بل تتخذ من العنف وسيلة لفرض هيمنتها ونشر الموت والدمار والتفرّد بالمجتمع، بدءاً بالقبائل التي تمثل العمود الفقري للهوية اليمنية.

إن الذاكرة اليمنية القريبة مليئة بالشواهد التي لا يمكن تجاوزها أو التقليل من شأنها؛ ومن بينها إعدام الحوثي لأربعة مشائخ في البيضاء، وسحل شيخ قبلي في عمران، وتصفية قبائل حجور، واغتيال أكثر من 60 زعيماً قبلياً، فهذه ليست حوادث معزولة، بل حلقات مترابطة في سياق واحد عنوانه كسر إرادة القبيلة اليمنية واستهداف رموزها الاجتماعية. وما كان لهذا المسار أن يتمدد لولا حالة الصمت التي شجعت الحوثي على التمادي، حتى وصل اليوم إلى استهداف قبائل دهم العريقة، في محاولة لإخضاعها بالقوة وتقديمها نموذجاً لبقية القبائل.

هذا الإرهاب الحوثي لا يقف عند حدود التصفية الجسدية، بل يتجاوزها إلى استهداف ممنهج لكرامة المشايخ ومكانتهم، فهذه العصابة لم تكتفِ بإقصاء الرموز القبلية، بل عملت على إذلالهم عبر إجبارهم على حضور خطب زعيمها، وإخضاعهم لدورات فكرية قسرية، واحتجازهم لفترات طويلة في ظروف غامضة، في محاولة لإعادة تشكيل وعيهم بما يخدم مشروعها. إنها سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الهيبة التاريخية للمشيخة، وتحويلها من مرجعية اجتماعية مستقلة إلى أداة خاضعة وخانعة للمليشيا والمشاريع الخارجية التي تقودها.

ومنذ اليوم الأولى للانقلاب، حرص الحوثي على تنفيذ سياسة مزدوجة تقوم على تفريغ القبيلة من قياداتها الحقيقية، وإعادة تشكيلها وفق مقاييسه الخاصة، فقد عمل على تهجير آلاف المشايخ من مناطقهم، وتصفية آخرين، في خطوة لم تكن عابرة أو مرتبطة بظروف الحرب، بل جزءاً من خطة مدروسة لضرب البنية القيادية للقبيلة. هذا التهجير القسري لم يستهدف أفراداً فقط، بل استهدف رموزاً تمثل الامتداد التاريخي والاجتماعي للقبيلة، ما أدى إلى إحداث فراغ كبير في منظومة القيادة التقليدية، ويتكرر هذا المشهد من صعدة إلى عمران والبيضاء وصنعاء وحجور، وصولاً إلى الجوف.

لقد تنوعت جرائم الحوثي بحق القبائل اليمنية بين الاختطافات والاغتيالات والتعذيب، في إطار منظومة إرهابية تستهدف كل من يرفض الانصياع، ولعل اغتيال الشيخ المسعودي في البيضاء يؤكد ذلك، ويبيّن أن الحوثي لا يعترف بأي خطوط حمراء، ولا يقف عند حد معين.

كما سعى الحوثي، بعد أي محاولات لتفريغ القبيلة من زعمائها، إلى استبدالهم بشخصيات لا تمتلك أي مكانة قبلية أو تاريخ اجتماعي يُعتد به، بل إن بعض هؤلاء ارتبطوا بأنشطة مشبوهة كترويج المخدرات، في محاولة لإعادة تعريف مفهوم “الشيخ” بما يتناسب مع مصالحه وداعميه.

 هذا التحول الخطير لا يقتصر على تغيير الأسماء، بل يضرب في العمق القيمي للقبيلة، ويحوّلها من كيان يقوم على الأعراف والتقاليد إلى بنية مشوهة تخضع لمنطق القوة والولاء.

كما عمل الحوثي بشكل متعمد على إثارة الفتن والصراعات الداخلية بين أبناء القبيلة الواحدة، عبر تغذية الانقسامات، ودعم أطراف على حساب أخرى، واستخدام سياسة “فرّق تسد” كأداة لإضعاف التماسك الاجتماعي، هذه الاستراتيجية لم تكن عفوية، بل جزء من رؤية تهدف إلى تفكيك القبيلة من الداخل، بحيث تصبح عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فضلاً عن القيام بدورها الوطني.

إن ما تواجهه القبيلة اليمنية اليوم يتجاوز كونه أزمة سياسية أو صراعاً على السلطة، بل هو تهديد وجودي يستهدف هويتها ودورها التاريخي، فالقبيلة، عبر قرون، لم تكن مجرد إطار اجتماعي، بل كانت صمام أمان وركيزة للاستقرار، ودرعاً يحمي المجتمع من الانهيار، واستهدافها بهذا الشكل يعني تفكيك أحد أهم أعمدة التوازن في اليمن.

وأمام هذا الواقع، لم يعد الصمت خياراً، ولا التردد مقبولاً، فالمعركة لم تعد تخص قبيلة بعينها، بل تشمل الجميع دون استثناء، وما يحدث اليوم في دهم قد يتكرر غداً في أي منطقة أخرى،  لذلك، فإن المطلوب هو موقف قبلي موحد يستعيد روح التضامن، ويعيد الاعتبار لقيم النخوة والتكافل التي شكّلت جوهر القبيلة اليمنية.

إن تعاضد القبائل وتكاتفها لم يعد ترفاً، بل ضرورة حتمية في مواجهة مشروع يسعى إلى محوها وإعادة تشكيلها بما يخدم أهدافه، فإما أن تستعيد القبيلة دورها التاريخي في حماية المجتمع والدفاع عن كرامته، أو تترك المجال لعصابات الحوثي التي تسعى إلى تفكيكها وإضعافها حتى تفقد كل مقوماتها. وفي لحظات كهذه، يجب دق ناقوس الخطر والتأكيد أن الحياد ليس موقفاً، بل خذلان، وأن الصمت ليس حكمة، بل بداية لانهيار لا يتوقف، فإما أن تتوحد القبائل في إطار الدولة الشرعية بوصفها جزءاً من مقوماتها ومكانتها، أو ترضخ لهذا المشروع  الحوثي وتتحول إلى أداة وبيدق تُستخدم لتنفيذ أجنداته على حساب المجتمع والوطن.