هل يجوز للمفرد أن يسعى سعي الحج بعد طواف القدوم؟
الطواف ببيت الله الحرام، والسعي بين الصفا والمروة شعيرتان من شعائر الحج حيث قال الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
هل يجوز للمفرد أن يسعى سعي الحج بعد طواف القدوم؟
وقد اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في معتمد مذهبهم الترتيب بين الطواف والسعي، فجعلوا من شروط صحة السعي أن يتقدمه طواف صحيح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، ولأن السعي تابع للطواف ومتمم له، وقد تقرر في قواعد الفقه: “التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى المَتْبُوعِ” كما في “الأشباه والنظائر” للإمام السيوطي.
لكن يمكن أن يتقدم السعي على طواف الإفاضة إذا كان الناسك مفردا أو قارنا وكان قد سعى بعد طواف القدوم، فإذا فعل ذلك صح اتفاقا.
وطواف القدوم هو طواف تحية للبيت الحرام، وهو سنة عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، ويفعله القادم إلى مكة من غير أهلها إذا كان مفردا أو قارنا، فلا يُتصور ذلك في حق المتمتع؛ لأن طوافه الذي يستهل به مناسكه هو طواف العمرة التي يتحلل بعدها ثم يحرم بالحج.
الأدلة من السنة النبوية على الترتيب بين الطواف والسعي
وقد ورد عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: “أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أوَّلَ مَا يَقْدُمَ، سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ” وعن عبد الله بن عباس عنهما قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، فَطَافَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ» أخرجه البخاري. وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم قال: “لِتَأخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ” .

قال شمس الأئمة السَّرَخْسِيُّ الحنفي في “المبسوط”: (ولا يجوز السعي قبل الطواف لأنه إنما عرف قربة بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم… وهو في المعنى مُتَمِّمٌ للطواف، فلا يكون معتدًا به قبله كالسجود في الصلاة).
وقال علاء الدين الكاساني في “بدائع الصنائع”: (وأما شرائط جوازه؛ فمنها: أن يكون بَعْدَ الطواف أو بعد أكثره… لأن السعي تَبَعٌ للطواف).


