أثارت وثيقة رسمية مسرّبة مؤخراً عن مكتب وزير الكهرباء والطاقة والمياه في حكومة مليشيات الحوثي، موجة عارمة من الاستياء والجدل القانوني والحقوقي، إذ تضمنت توجيهات صريحة وصارمة تعتبر تدخلاً مباشراً في صلب عمل السلطة القضائية، مطالبةً بنقل قضاة محددين وتشكيل لجنة فنية لمراجعة وإعادة فحص أحكام قضائية باتّة.
وفي تفاصيل الواقعة التي كشفت عنها مذكرة رسمية موجّهة من القائم بأعمال وزير الكهرباء، عادل صالح بادر، تظهر المطالبات التي وصفها مراقبون بـ “غير المسبوقة” وتنم عن تجاوز خطير للصلاحيات الدستورية. فقد تضمنت المذكرة طلباً صريحاً إلى رئيس محكمة غرب الأمانة بإحالة جميع ملفات قضايا المحطات الكهربائية من القاضي محمد عبدالله الخيال إلى قاضٍ آخر داخل ذات المحكمة، مما يُعد تعييناً مباشراً للقضاة من قبل الجهة المنظورة في القضية.
ولم تتوقف المذكرة عند حدود طلب تغيير القاضي، بل تجاوزت ذلك إلى اتهامات مباشرة مسّت بالنزاهة القضائية، حيث زعمت المذكرة أن القاضي الخيال “يفصح عن قناعته بالبراءة قبل مواجهة المتهمين بقرار الاتهام”، وهي عبارة اعتبرها حقوقيون وقانونيون تجاوزاً فاضحاً يمس بهيبة القضاء واستقلاله، ويهدف إلى الضغط على القضاة ووصم قراراتهم قبل صدورها.
الأكثر خطورة في الوثيقة هو التوجيه بتشكيل لجنة فنية من قبل الوزارة لفحص ملفات القضايا التي صدرت فيها أحكام من القاضي الخيال وآخرين، وهي خطوة تُعد مخالفة دستورية صريحة لمبدأ “الفصل بين السلطات” ولمبدأ “حجية الأمر المقضي به”، حيث لا تملك السلطة التنفيذية صلاحية مراجعة أحكام القضاء أو إعادة فحصها عبر لجان فنية تابعة لها.
وقد وصف مصادر حقوقية وقانونية هذا التحرك بأنه “تغول” واضح من السلطة التنفيذية على اختصاصات السلطة القضائية، مؤكدين أن تعيين القضاة أو نقلهم أو محاسبتهم هو اختصاص حصري لمجلس القضاء الأعلى، ولا يحق لأي جهة وزارية إملاء رغباتها حول هوية القاضي الذي ينظر في قضاياها.
ومن جانبهم، عبر ناشطون ونخب قانونية عن تضامنهم الكامل مع القاضي محمد الخيال، معتبرين أن محاولة “تفصيل قضاة على مقاس الوزارة” هي بمثابة ضربة قاصمة لما تبقى من مفهوم العدالة، واصفين التوجيهات الواردة في المذكرة بأنها تحمل درجة عالية من “البجاحة” تعكس حالة من الانفلات الإداري والقانوني.
وفي تعليق قانوني بارز، خلص أحد المختصين إلى أن “التدخل في تعيين القاضي الذي ينظر في خصومة تكون الوزارة طرفاً فيها هو هدم لمبدأ الحياد، وتحويل للقضاء إلى أداة لتنفيذ رغبات المسؤولين بدلاً من إحقاق الحق”، داعياً التشكيلات القضائية والحقوقية للتدخل الفوري لوقف هذا التجاوز وحماية استقلالية القضاء.

