تكثف الدولة المصرية تحركاتها الدبلوماسية لضمان حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة برمتها حاليا. وقد أجرى وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي سلسلة من الاتصالات الهاتفية رفيعة المستوى شملت قيادات فلسطينية وأطرافا دولية فاعلة. استهدفت هذه المشاورات العاجلة الوقوف على آخر تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتنسيق المواقف المشتركة لمواجهة التحديات الراهنة.
وحسب وزارة الخارجية في منشور من صفحة المتحدث الرسمي السفير تميم خلاف فقد تضمنت هذه الاتصالات حديثا مطولا مع السيد حسين الشيخ نائب الرئيس الفلسطيني والدكتور محمد مصطفى رئيس الوزراء الفلسطيني. كما شملت المباحثات التواصل مع السيد نيكولاي ملادينوف الممثل الأعلى لغزة لتقييم الاحتياجات الإنسانية والأمنية الملحة. ركزت النقاشات على سبل وقف التصعيد المتزايد وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية ضد الانتهاكات المستمرة.
وفي سياق هذه المباحثات المكثفة أكد وزير الخارجية على ضرورة ألا تؤدي الصراعات الإقليمية الجانبية إلى تهميش القضية الفلسطينية أو عرقلة الجهود الدولية المبذولة. وشدد على أن الأولوية القصوى يجب أن تظل موجهة نحو إنهاء المعاناة الإنسانية في القطاع. كما أوضح أن القاهرة تتابع بدقة كافة التحركات التي تستهدف تغيير الواقع على الأرض وتعمل مع كافة الشركاء الدوليين لفرض تهدئة شاملة ومستدامة في المنطقة العربية.
مسارات الاستقرار الدولي في قطاع غزة
خلال تواصله مع الأطراف الفلسطينية والدولية أشار وزير الخارجية إلى الأهمية القصوى لاستكمال تنفيذ كافة استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأوضح أن هذه المرحلة تتطلب التزاما جديا من كافة الأطراف لتجاوز العقبات الميدانية التي تحول دون تحقيق الاستقرار المنشود. واعتبر أن تنفيذ هذه البنود يمثل الركيزة الأساسية للعبور نحو مرحلة جديدة تنهي حالة النزاع المسلح الذي طال أمده في الأراضي المحتلة.
وتناولت المباحثات تفاصيل نشر قوة الاستقرار الدولية التي تهدف إلى توفير بيئة آمنة للمدنيين وتسهيل العمليات الإغاثية داخل قطاع غزة المكلوم. كما شدد المسؤول المصري على ضرورة ضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والطبية بشكل كامل ودون أي عوائق تقنية أو أمنية تفرضها سلطات الاحتلال. واعتبر أن تدفق الغذاء والدواء يمثل أولوية لا تقبل التأجيل في ظل التدهور الكارثي الذي تعاني منه المنظومة الصحية والخدمية بالقطاع حاليا.
ولم تقتصر الاتصالات على الجوانب الأمنية فحسب بل امتدت لتشمل الشروع الفوري في برامج التعافي المبكر وإعادة إعمار ما دمرته العمليات العسكرية الأخيرة. وأكد وزير الخارجية أن مصر مستعدة لتقديم كافة خبراتها وإمكانياتها لدعم مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن الفلسطيني بشكل عاجل. وأشار إلى أن الاستقرار السياسي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن تنمية اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر بها السكان في حياتهم اليومية الصعبة للغاية.
انتهاكات الضفة الغربية وتقويض فرص التهدئة
انتقلت المباحثات بعد ذلك لتسليط الضوء على التطورات الخطيرة والمتسارعة التي تشهدها مدن ومخيمات الضفة الغربية في الوقت الراهن. حيث استعرض وزير الخارجية مع المسؤولين الفلسطينيين تداعيات العمليات العسكرية المتصاعدة التي يشنها جيش الاحتلال بشكل متكرر. وحذر من أن استمرار هذه الاقتحامات يؤدي إلى تفجير الأوضاع بشكل يصعب السيطرة عليه مستقبلا. كما أدان بشدة كافة الممارسات التي تستهدف ترويع الآمنين وهدم الممتلكات العامة والخاصة للفلسطينيين.
كما تطرق المتحدث باسم الخارجية إلى مسألة التوسع غير المسبوق في الأنشطة الاستيطانية التي تلتهم الأراضي الفلسطينية وتقوض حل الدولتين. وأشار التقرير إلى أن اعتداءات المستوطنين المتطرفين على المواطنين العزل وعلى الأماكن الدينية المقدسة تمثل استفزازا لمشاعر المسلمين والمسيحيين حول العالم. وأكدت مصر أن هذه التصرفات تسهم بشكل مباشر في زيادة حدة التوتر وتعرقل كافة الجهود الرامية لاستعادة الهدوء والأمن في تلك المنطقة المتأزمة سياسيا وأمنيا.
واعتبر المسؤولون الفلسطينيون أن الدعم المصري يمثل حائط صد منيع أمام محاولات تصفية القضية أو تهجير السكان من أراضيهم التاريخية. وأثنى الدكتور محمد مصطفى على الدور المحوري الذي تلعبه الدبلوماسية المصرية في المحافل الدولية لنشر الرواية الفلسطينية الصحيحة. وأكد الجانبان على ضرورة توحيد الصف الفلسطيني لمواجهة التحديات الوجودية التي تفرضها السياسات الإسرائيلية الراهنة. وشددا على أن التنسيق المستمر بين القاهرة ورام الله سيظل الضمانة الأساسية للحقوق.
الثوابت المصرية ورؤية السلام الشامل
جدد الدكتور بدر عبد العاطي خلال كافة اتصالاته التأكيد على ثوابت الموقف المصري الراسخ تجاه القضية الفلسطينية العادلة. وأوضح أن الرؤية المصرية تقوم على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو لعام سبعة وستين وعاصمتها القدس الشرقية. وأكد أن هذه الثوابت لا تقبل المساومة أو التغيير مهما بلغت الضغوط الدولية أو التحديات الإقليمية التي تفرضها موازين القوى المتغيرة في الوقت الراهن عالميا.
واختتم المتحدث الرسمي تصريحاته بالإشارة إلى أن مصر ستواصل اتصالاتها مع كافة القوى الإقليمية والدولية المؤثرة لتحريك المسار السياسي المجمد. وتهدف هذه التحركات إلى خلق أفق سياسي حقيقي يؤدي إلى سلام عادل وشامل ينهي عقودا من الصراع والدمار. وتؤمن القاهرة بأن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط يبدأ وينتهي بحل عادل للقضية الفلسطينية يضمن كرامة الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها بحرية تامة ودون أي إملاءات خارجية.
وتظل الجهود المصرية مستمرة على مدار الساعة من خلال قنوات دبلوماسية مفتوحة لتذليل العقبات أمام وصول المساعدات وحل الأزمات العالقة. إن الرؤية المصرية الشاملة التي طرحها وزير الخارجية تعكس التزام الدولة التاريخي بمسؤولياتها تجاه الأشقاء العرب في كافة الأوقات. وتسعى مصر جاهدة لتحويل الوعود الدولية إلى واقع ملموس يحسن حياة ملايين الفلسطينيين الذين ينتظرون فجر الحرية والعدالة بعد سنوات طويلة من المعاناة تحت وطأة الاحتلال.

