يمن 2026: شطرنج الانكسار وجمهورية العوز.. لمن تميل الرسة في ميزان الانهيار؟
الكاتبة نسيم الفيل

يمن 2026: شطرنج الانكسار وجمهورية العوز.. لمن تميل الرسة في ميزان الانهيار؟- نبض مصر

بينما كانت المدافع والبنادق هي اللغة الوحيدة المسموعة في اليمن لسنوات طويلة، استيقظ العالم خلال عام 2026 على حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ لم تعد الخطوط الأمامية على رمال الجوف أو جبال مأرب هي من يرسم ملامح الغد، بل باتت الأرقام المتطايرة من شاشات الصرافين وتقارير البنوك الدولية هي الجنرال الحقيقي الذي يحرك قطع الشطرنج فوق الخارطة اليمنية الممزقة.
​تبدأ القصة من التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي (أبريل 2026)، الذي لم يكن مجرد أرقام جافة، بل كان شهادة وفاة لآمال الاستقرار السريع. يشير التقرير إلى أن اليمن دخل رسمياً مرحلة التفتت النقدي الكامل. هذا الانقسام لم يعد مجرد اختلاف في سعر الصرف بين صنعاء وعدن، ولكن تحول إلى حدود اقتصادية صلبة تمنع تدفق السلع والخدمات، حيث يُتوقع أن يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي رهين الصفر الكبير.
​المحللون الدوليون يرون أن الرسة أو كفة التأثير، تميل اليوم لصالح من يمتلك القدرة على التنفس اقتصادياً لأطول فترة ممكنة. ففي حين فقدت الحكومة المعترف بها دولياً رئة الاقتصاد (تصدير النفط والغاز) نتيجة التهديدات المستمرة للموانئ، وجدت نفسها تعيش على “أجهزة الإنعاش” التي توفرها الودائع الخارجية.
​لكن هذا الدعم الدولي يصطدم بجدار صلب من الفساد الهيكلي داخل أروقة الحكومة المعترف بها. ففي الوقت الذي يتجرع فيه المواطن مرارة التضخم الذي بلغت نسبته 26.5% وفق تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2026، يبرز ملف الرواتب والمستحقات بالعملة الصعبة كواحد من أكبر ثقوب النزيف المالي.
​تشير التقارير الرقابية (بما فيها تحديثات الخبراء الدوليين) إلى أن توزيع مئات الملايين من الدولارات والريالات السعودية كمستحقات وبدلات لمسؤولين وموظفين مقيمين في الخارج، يمثل استنزافاً انتحارياً للاحتياطي النقدي الشحيح. هذا السلوك لا يُضعف العملة المحلية فحسب، بل يضرب المشروعية الاقتصادية للحكومة في مقتل؛ فحين ترفض النخبة الحاكمة ربط مصيرها المالي بالريال اليمني المنهار، فإنها تعطي إشارة صريحة للأسواق وللمواطن بأنها لا تثق في بقائها، مما يقلب ميزان الثقة الشعبية لصالح سلطات الأمر الواقع التي، رغم جبايتها القاسية، تظهر بمظهر المركزية المنضبطة.
​وبالانتقال من الداخل إلى المياه الإقليمية، تبرز موازين القوى الدولية كعامل حسم. تقرير مجلس الأمن الدولي (تحديث مارس 2026) يرسم صورة قاتمة لحركة الملاحة في باب المندب. لم تكن الضربات العسكرية الغربية هي المتغير الوحيد، ويشير التقرير إلى تحول اليمن إلى عقدة جيوسياسية عالمية.
​هنا، تبرز مفارقة غريبة: ففي الوقت الذي تعاني فيه حكومة صنعاء من ضغوط اقتصادية خانقة نتيجة توقف بعض المساعدات الأممية (مثل تعليق برنامج الغذاء العالمي لعملياته في يناير 2026)، إلا أنهم اكتسبوا ثقلاً تفاوضياً دولياً بسبب قدرتهم على التأثير في سلاسل الإمداد. هذا الميزان جعل من القوى الكبرى تعيد حساباتها في اليمن كلاعب في أمن الطاقة العالمي، مما منح صنعاء رسة سياسية في مواجهة الضغوط الاقتصادية.
​وفي زاوية أخرى، شهد الربع الأول من عام 2026 تحولاً دراماتيكياً أشار إليه تقرير البرلمان البريطاني (مارس 2026)، حيث أدى انسحاب القوات الإماراتية المتبقية إلى فراغ نفوذ تمت تغطيته بترتيبات يقودها مجلس القيادة الرئاسي بدعم سعودي. هذا التحول أعاد رسم خارطة التأثير في المحافظات الجنوبية، محاولاً توحيد القوى العسكرية تحت مظلة الدولة المركزية لإضعاف مشاريع الإدارة الذاتية، لكن هذا الاستقرار يظل هشاً ما لم يتم لجم فساد المؤسسات الذي ينخر في عصب عدن.
​خلف هذه الصراعات، يقف الميزان الأكثر أهمية: الإنسان اليمني. تقرير الأمم المتحدة (OCHA) يحذر من أن الرسة الحقيقية تقع في يد من يستطيع إدارة الجوع. ومع فقدان العملة لأكثر من 80% من قيمتها الشرائية، أصبح الأمن الغذائي هو الحاكم الفعلي. إن القوى التي تفرض الجبايات دون خدمات، أو التي تنهب الودائع لصالح نخبها في الخارج، بدأت تفقد شرعيتها الشعبية بسرعة البرق، مما ينبئ بانفجار اجتماعي وشيك قد يطيح بكل موازين القوى.
​في عام 2026، يعيش اليمن حالة توازن الضعف فالرسة ليست بيد من يملك الرصاصة الأسرع، بل بيد من يستطيع سد الثقب الأسود في ميزانيته وربط مصيره برغيف خبز المواطن. الحقيقة التي تدعمها كل التقارير الدولية هي أن الميزان لن يستقر إلا بـ صدمة نزاهة تبدأ بوقف استنزاف العملة الصعبة وتوحيد النظام المصرفي؛ ودون ذلك، سيبقى اليمن ساحة لشطرنج عالمي، لا يربح فيه أحد، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن كل نقلة خاطئة فوق الرقعة المشتعلة.