وُلد هوارد شولتز عام ١٩٥٣ في بروكلين، نيويورك، لم يكن الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة ستاربكس السابق ينتمي إلى بيئة متميزة، حيث قضى طفولته في شقق ضيقة في مجمع كانارسي السكني في بروكلين، وكان والده يعمل في وظائف يدوية غير مستقرة، مما جعله وعائلته دائمًا في خطر فقدان مصدر الدخل، خاصة بعد تعرض والده لإصابة أثناء العمل في عام 1961، مما جعل الأسرة تضطر للاعتماد على تظاهر الأطفال بعدم وجود الوالدين في المنزل عند اتصال محصلي الديون، وكتب شولتز: “لم يكن لدينا أي دخل، ولا تأمين صحي، ولا تعويضات للعمال” ، وقد غرس هذا في نفسه إدراكًا مبكرًا بأن التعليم ليس فقط وسيلة للمعرفة، وإنما تذكرة للخروج من دائرة الفقر.
المنح الدراسية – أول مخرج من السكن الاجتماعي
أصبح هوارد شولتز أول فرد في عائلته يحصل على شهادة جامعية، بدأت رحلته بمنحة دراسية في كرة القدم، فقد حصل على منحة دراسية في جامعة شمال ميشيغان بسبب موهبته في اللعبة، وتخرج منها عام 1975، بالنسبة لشولتز، لم تكن المنحة مجرد مساعدة مالية فحسب، بل كانت “مرساة نفسية” ساعدته على الاعتقاد بأن خلفيته لا تعيق مستقبله، ومع ذلك، واجه شولتز تحديًا جديدًا في الجامعة، إذ اكتشف أنه لم يعد قادرًا على تحقيق تقدم متميز في مسيرته الرياضية، مما دفعه إلى ترك كرة السلة، وهذا يعني فقدان الدعم المالي، لذا كان عليه الاعتماد على قروض الطلبة والعمل في وظائف جزئية لتغطية مصاريفه الدراسية، وبالرغم من تخرجه محملاً بالديون، إلا أن الجامعة ساعدته في تغيير نظرته للعالم من عقلية البقاء إلى عقلية الفرص، مما ساهم في نجاحه كرجال أعمال.
من بائع إلى نقطة تحول في تاريخ ستاربكس
إن عقلية البقاء تجعل الناس يخشون المخاطرة، بينما سمحت عقلية شولتز الرائدة له برؤية إمكانات نجاح مقاهي الإسبريسو في إيطاليا، وعزم على جلب هذا النموذج إلى أمريكا رغم المعارضة من المستثمرين، بعد تخرجه، عمل شولتز في مجال المبيعات والتسويق، وفي عام 1981، زار ستاربكس بالصدفة والتي كانت آنذاك سلسلة صغيرة من متاجر حبوب البن في سياتل، وقد أعجب بجودتها وثقافتها، فانضم إلى ستاربكس في عام 1982 كمدير للتسويق، وكانت نقطة التحول عندما سافر إلى إيطاليا، حيث انبهر بنموذج المقهى كمساحة مجتمعية، واقترح تحويل ستاربكس من بيع حبوب البن إلى تقديم المشروبات، لكن قوبل هذا الاقتراح بالرفض في البداية، ومع ذلك لم يثنه ذلك، فترك الشركة ليؤسس سلسلة مقاهي Il Giornale، قبل أن يعود لشراء ستاربكس في عام 1987، ومن ثم بدأ رحلته لبناء ستاربكس كعلامة تجارية عالمية.
التعليم لا يتوقف عند حدود الفصل الدراسي
أثناء قيادته، توسعت ستاربكس بسرعة وأصبحت معروفة بسياساتها التقدمية في الموارد البشرية، مثل تقديم التأمين الصحي للموظفين بدوام جزئي، ودعم الرسوم الدراسية للموظفين في الولايات المتحدة، وقد أوضح شولتز مؤكدًا أن هذه السياسات نابعة من ذكريات طفولته، حيث نشأ في عائلة لم يكن للوالد فيها تأمين صحي، لذا يفهم الشعور بعدم الأمان عندما يمكن لحادث أن يشل الأسرة، بالنسبة له، فالاستثمار في الناس، خصوصًا التعليم، ليس مجرد استراتيجية للموارد البشرية، بل يعتبر مسؤولية اجتماعية، وبفضل حصته في ستاربكس، أصبح هوارد شولتز مليارديرًا عصاميًا، رغم أنه نادرًا ما يتحدث عن ثروته في لقاءاته، وإنما يركز على تجربته في التعليم والفرص.
أكد شولتز ذات مرة: “النجاح لا يأتي من المكان الذي ولدت فيه، بل مما تفعله بالفرصة عندما تأتي في طريقك”، وهي فلسفة تعكس مسار حياته، تُجسد قصة هوارد شولتز كيف يمكن للمنح الدراسية أن تكون أداة اجتماعية فعالة، تساهم في كسر حلقة الفقر المتوارث، فالتعليم لا يقتصر فقط على المؤهلات، بل يتجاوز ذلك إلى تغيير جذري في التفكير، من البقاء إلى الإبداع، كما أن نجاحه المُستدام مرتبط بمسؤوليته الاجتماعية واستثماره في الإنسان، ومن مجمع سكني في بروكلين إلى قيادة علامة تجارية عالمية للقهوة، فإن رحلة هوارد شولتز تُعتبر شهادة على قوة التعلم والفرص التعليمية في تغيير مصائر الأفراد.
لي ثو
المصدر:

