​اليمن والخليج: من إدارة الأزمة إلى وحدة المصير.. استحقاقات الأمن والخبز
نسيم الفيل

​اليمن والخليج: من إدارة الأزمة إلى وحدة المصير.. استحقاقات الأمن والخبز- نبض مصر

​بينما تنشغل العواصم الإقليمية برسم خرائط “الشرق الأوسط الجديد” ومشاريع الربط السككي والطاقة تبرز الجغرافيا اليمنية كحقيقة جيوسياسية لا يمكن القفز فوقها إن السؤال الذي يطرحه الواقع اليوم ليس ماذا سيفعلون باليمن؟ بل ماذا سيحدث لهم ولنا جميعاً إذا استمر انهيار اليمن؟

​لا يمكن قراءة المشهد السياسي بمعزل عن الأرقام الجائعة وفقاً لتقارير الأمم المتحدة لعام 2024 وتقديرات مطلع 2025، يعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً حيث لم تتلقَّ خطة الاستجابة الإنسانية إلا أقل من 20% من التمويل المطلوب، مما أدى لتقليص المساعدات الغذائية عن ملايين المستفيدين.

​ تجاوز سعر صرف الريال اليمني في مناطق الحكومة المعترف بها حاجز الـ 1600 ريال مقابل الدولار الواحد، مما جعل الغذاء الأساسي “رفاهية” لقطاع واسع من الشعب.

إلى جانب أن اليمن فقدت أكثر من 70% من مواردها المالية العامة نتيجة توقف تصدير النفط والغاز منذ هجمات الحوثيين على موانئ التصدير (النشيمة والضبة)، مما حوّل الدولة إلى كيان يعيش على التنفس الاصطناعي للمنح الخارجية.

 

​من الناحية النقدية، سادت العقلية الخليجية لعقود نظرة الاحتواء الأمني لليمن وكانت الاستراتيجية تقوم على تقديم مساعدات إغاثية تمنع الانهيار الكلي، دون الدخول في شراكة اقتصادية حقيقية تدمج اليمن في النسيج الخليجي،  والجدير بذكره أن  هذه السياسة نجحت تاريخياً في الحفاظ على حد أدنى من الهدوء، ومنعت تدفق الهجرات غير الشرعية بشكل ضخم ​فيما أثبتت أحداث البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 أن “إهمال التنمية” في اليمن هو الثغرة التي نفذت منها القوى الإقليمية المنافسة (إيران) لبناء تهديد استراتيجي يطال عصب الاقتصاد العالمي لهذا فإن ترك اليمن “دولة فاشلة” جعل منها منصة رخيصة التكلفة لاستهداف مشاريع بمليارات الدولارات في دبي والرياض والدوحة.

​​بعيداً عن صراع النفوذ، هناك واقع يعيشه قرابة 40 مليون يمني. التقارير الدولية تشير إلى أن أكثر من 80% من السكان يحتاجون لشكل من أشكال المساعدة.

​في الحديدة وحجة، عادت شبح المجاعة ليطل برأسه مع تعثر سلاسل الإمداد.

​في تعز، لا يزال الحصار والاشتباكات المتقطعة يرفعان كلفة المعيشة بنسبة 300% مقارنة بالمناطق الأخرى.

أما تداعي شبكات المياه والكهرباء أدى لعودة أمراض تم استئصالها سابقاً، في ظل هجرة العقول الطبية والتعليمية نحو الخارج أو نحو العمل في المنظمات الدولية فقط لتأمين لقمة العيش.

فيما ​يتفق الكثير من المحللون حول الثقل الديموغرافي فاليمن هو “خزان بشري” هائل ودمج العمالة اليمنية في سوق العمل الخليجي بشكل ممنهج وقانوني يمثل “صمام أمان” و استمرار سياسات الترحيل أو التضييق على المغترب اليمني في دول الجوار يمثل ضغطاً عكسياً؛ فالمغترب هو الممول الأول المتبقي للأسر داخل اليمن عبر التحويلات التي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، وهي المحرك الحقيقي للاقتصاد اليمني حالياً، وأي اهتزاز في هذا الملف يعني انفجاراً اجتماعياً داخلياً لن تتوقف آثاره عند الحدود.

​إن الانتقال من منطق المانح والمتلقي إلى منطق الشراكة الاستراتيجية هو المخرج الوحيد.

​من جانب اقتصادي لا بد من استثمارات خليجية في البنية التحتية اليمنية (موانئ، طاقة متجددة) تخلق فرص عمل وتغني الشباب عن الالتحاق بالجماعات المسلحة، ومن جانب سياسي يجب الضغط نحو حل شامل ينهي حالة “لا حرب ولا سلم” التي يستثمر فيها الحوثيون لتعزيز قدراتهم العسكرية،  اما إنسانيا فالالتزام بتمويل مستدام يركز على التنمية لا مجرد الإغاثة الطارئة، فاليمن ليس عبئاً جغرافياً بل هو العمق الاستراتيجي للجزيرة العربية وبقدر ما يكون اليمن قوياً ومستقراً يكون أمن الخليج محصناً إن تكلفة إصلاح اليمن اليوم، مهما بلغت، تظل ضئيلة جداً أمام تكلفة انهياره الكامل غداً.

وبعيداً عن قاعات المؤتمرات والتحليلات السياسية، يبدو الواقع في صنعاء اليوم أشبه بمعركة يومية للبقاء؛ حيث يعيش المواطن تحت وطأة حصار خانق أخرج المدينة عن سياقها التاريخي كمركز للدولة والنشاط الاقتصادي  فانقطاع المرتبات لم يكن مجرد أزمة مالية، بل كان ضربة قاضية للطبقة الوسطى التي وجدت نفسها فجأة بلا مورد في مواجهة غلاء معيشي يتصاعد بجنون وشحة في فرص العمل والخدمات الأساسية ففي شوارع صنعاء، يتجلى الحرمان في عيون الموظفين الذين أرهقهم الانتظار المر وفي الأسواق التي تفيض بالبضائع لكنها تفتقر للمشترين بسبب انعدام القدرة الشرائية. إن الاستقرار الظاهري في سعر الصرف هنا لا يعكس رفاهية، بل هو استقرار القاع الناجم عن ركود اقتصادي حاد وجفاف في السيولة يعيش الناس هنا في دوامة من الأزمات المتلاحقة؛ من ندرة الوقود إلى انهيار منظومة التعليم والصحة، مما جعل الهمّ اليمني ينحصر في تأمين القوت الضروري، وسط شعور بخذلان إقليمي ودولي حوّل ملايين المدنيين إلى رهائن لصراع لا أفق له، بينما تدفع الفئات الأشد ضعفاً ثمن حرب استنزفت البشر قبل الشجر.