في مشهد يتسم بتسارع التحولات داخل قطاع الطاقة، تبرز منظومة العدادات الكودية كأحد أهم أدوات إعادة الانضباط لسوق استهلاك الكهرباء في مصر. لم يعد الأمر مجرد إجراء تنظيمي، بل تحول إلى استراتيجية متكاملة تستهدف إنهاء الفوضى، وضبط الاستهلاك، ومواجهة نزيف الفاقد الذي طالما أثقل كاهل الشبكة القومية.
وبين أرقام لافتة وخطوات غير مسبوقة، تتكشف ملامح مرحلة جديدة عنوانها العدالة والكفاءة.
العدادات الكودية.. بداية ضبط الفوضى
شهد ملف العدادات الكودية دفعة قوية خلال الفترة الأخيرة، في إطار توجه حكومي لإحكام السيطرة على استهلاك الكهرباء داخل المباني المخالفة. وأوضحت وزارة الكهرباء أن هذه العدادات تمثل حلاً عمليًا لقياس الاستهلاك الفعلي بدلًا من التقديرات الجزافية التي كانت تفتح الباب أمام أخطاء وهدر كبير.
وتعتمد فلسفة هذا النظام على تحقيق التوازن بين حق الدولة في تحصيل مستحقاتها، وحق المواطن في الحصول على خدمة عادلة دون مبالغة أو عشوائية في الفواتير. فالعداد الكودي لا يميز بين نوع النشاط داخل المبنى، سواء كان ورشة أو مصنعًا أو وحدة سكنية، بل يركز على تسجيل الاستهلاك الحقيقي فقط.
كما أكدت الوزارة أن تركيب هذه العدادات لا يمنح أي وضع قانوني للمباني المخالفة، بل يعد إجراءً مؤقتًا لحين تقنين الأوضاع، بما يضمن عدم استغلال الخدمة بشكل غير مشروع.
2.6 مليون عداد.. أرقام تكشف حجم التحول
الأرقام المعلنة تعكس بوضوح حجم التوسع في تطبيق هذه المنظومة، حيث تم تركيب نحو 2.6 مليون عداد كودي منذ أغسطس 2024، في خطوة تعكس جدية الدولة في معالجة التشوهات داخل منظومة الكهرباء.
ويُعد هذا الرقم مؤشرًا على تحول كبير من نظام “الممارسة” الذي تم إلغاؤه، إلى نظام أكثر دقة وشفافية يعتمد على القياس الفعلي. كما يهدف هذا التحول إلى القضاء على ظاهرة التلاعب وسرقات التيار، التي كانت تتسبب في خسائر ضخمة سنويًا.
وفي سياق متصل، يتم محاسبة مستخدمي العدادات الكودية وفق التكلفة الحقيقية للكهرباء دون دعم، وهو ما يمثل حافزًا قويًا لتشجيع المخالفين على تقنين أوضاعهم والالتزام بالإجراءات القانونية.
خطوات جديدة للترشيد ودعم الشبكة
لم تتوقف جهود وزارة الكهرباء عند حدود العدادات فقط، بل امتدت لتشمل إجراءات أوسع لترشيد الاستهلاك وتعزيز كفاءة الشبكة. فقد كشفت البيانات عن تحقيق وفر كبير في الطاقة خلال حملات الترشيد، حيث تم توفير نحو 18 ألف ميجاوات ساعة خلال أسبوع واحد فقط.
كما أسهم تطبيق نظام العمل عن بعد في بعض الجهات الحكومية في تقليل الأحمال، إذ وفر أكثر من 4 آلاف ميجاوات، في خطوة تعكس توجهًا نحو حلول مبتكرة لإدارة الطلب على الطاقة.
وفي إطار الاستعداد لفصل الصيف، تم إدخال تقنيات جديدة لأول مرة، من بينها بطاريات تخزين الطاقة داخل الشبكة القومية، بما يعزز استقرار الإمدادات ويقلل من احتمالات الانقطاع. وقد تم بالفعل إضافة قدرات تخزينية تقدر بنحو 3 آلاف ميجاوات ساعة خلال عام 2026، في خطوة تعكس تطورًا نوعيًا في إدارة الطاقة.
منظومة جديدة لمواجهة سرقة التيار
تشير المؤشرات إلى أن العدادات الكودية لعبت دورًا محوريًا في الحد من سرقات الكهرباء، من خلال ربط الاستهلاك الفعلي بالمحاسبة المباشرة، وهو ما أغلق الباب أمام الكثير من الممارسات غير القانونية.
كما نفت وزارة الكهرباء بشكل قاطع تطبيق أي زيادات بأثر رجعي على هذه العدادات، مؤكدة أن المحاسبة تتم وفق الأسعار الحالية فقط، ما يعزز الثقة بين المواطن والجهات المعنية.
وتؤكد هذه الإجراءات أن الدولة تمضي بخطوات ثابتة نحو بناء منظومة طاقة أكثر كفاءة وعدالة، تعتمد على التكنولوجيا الحديثة لضبط الأداء وتقليل الفاقد.
