في ظل الأزمات الإنسانية المتفاقمة التي يشهدها العالم العربي من اليمن إلى سوريا وليبيا ولبنان يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة الأدوات التقليدية للعمل الإنساني والدبلوماسي على الاستجابة الفعالة لاحتياجات المجتمعات المتضررة.
وفي هذا السياق تطرح الدبلوماسية النسوية نفسها كنهج جديد يسعى إلى إعادة صياغة أولويات العمل الإنساني من خلال وضع الإنسان وبخاصة المرأة في صميم السياسات والبرامج
الدبلوماسية النسوية ليست مجرد شعار بل هي مقاربة تقوم على إدماج مبادئ العدالة الجندرية والمساواة في السياسة الخارجية والعمل الدولي.
وقد برز هذا التوجه عالميًا مع تبني السويد لسياسة خارجية نسوية ليصبح لاحقا اطارا ملهمًا للعديد من الفاعلين الدوليين. غير أن أهميته في السياق العربي تتجاوز البعد النظري ليكون بذلك ضرورة عملية تفرضها تعقيدات الواقع الإنساني
في مناطق النزاع تتحمل النساء أعباء مضاعفة فهنّ ضحايا للنزوح والفقر والعنف و لكنهن في الوقت ذاته فاعلات رئيسيات في الصمود المجتمعي. من إدارة شؤون الأسر في ظروف قاسية إلى قيادة مبادرات الإغاثة المحلية وصولًا إلى لعب أدوار غير رسمية في الوساطة وبناء السلام. ومع ذلك، لا تزال مساهماتهن غالبا غير مرئية في دوائر صنع القرار ..
هنا يأتي دور الدبلوماسية النسوية في العمل الإنساني التي تدعو إلى الانتقال من النظر إلى المرأة ك فئة ضعيفة إلى الاعتراف بها كشريك أساسي في الاستجابة الإنسانية. ويتجلى ذلك في إشراك النساء في تصميم وتنفيذ البرامج وضمان وصول المساعدات إليهن بشكل عادل فضلًا عن دعم مشاركتهن في عمليات السلام انسجامًا مع قرارات دولية مثل القرار 1325 الصادر عن مجلس الأمن الدولي..
ورغم تزايد الاهتمام بهذا التوجة يواجه تطبيقه في العالم العربي تحديات كثيرة من أبرزها محدودية تمثيل النساء في السلك الدبلوماسي واستمرار القيود الاجتماعية وضعف إدماج قضايا النوع الاجتماعي في السياسات الرسمية.
كما أن تسييس العمل الإنساني في بعض السياقات يعقّد فرص تبني مقاربات شاملة وعادلة ..
ومع ذلك لا تخلو الساحة العربية من مؤشرات إيجابية. فقد بدأت مؤسسات إقليمية مثل جامعة الدول العربية بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في دعم مبادرات لتمكين المرأة وتعزيز حضورها في مجالات السلام والعمل الإنساني.
كما أن تجارب نسائية عربية عديدة خاصة في اليمن تثبت أن النساء قادرات على لعب أدوار محورية حين تتوفر لهن الفرصة..
إن تبني الدبلوماسية النسوية في العمل الإنساني العربي لا يعني استنساخ نماذج خارجية لكن يتطلب تطوير مقاربة تنبع من خصوصية المجتمعات العربية وأخص اليمن .
وتستند هنا إلى فهم عميق لتحدياتها الثقافية والسياسية. فتمكين المرأة ليس هدفا بحد ذاته بل هو مدخل أساسي لتحقيق استجابة إنسانية أكثر كفاءة واستدامة..
في النهاية قد لا تكون الدبلوماسية النسوية الحل السحري لكل أزمات المنطقة لكنها بلا شك تمثل خطوة ضرورية نحو إعادة التوازن في العمل الإنساني ..
وإعطاء صوت لمن ظلوا طويلًا على هامش المشهد رغم أنهم في قلبه .

