للجيش الوطني والمقاومة الشعبية.. خذوا هذا الدرس التاريخي
للجيش الوطني والمقاومة الشعبية.. خذوا هذا الدرس التاريخي

للجيش الوطني والمقاومة الشعبية.. خذوا هذا الدرس التاريخي- نبض مصر

بينما كان المغول يوسعون دولتهم، ويغزون البلاد الإسلامية، ويدمرونها بلداً بعد آخر، دارت معركة “شقحب” بينهم وبين المماليك المسلمين بقيادة الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام، والمغول بقيادة قتلغ شاه نويان (قطلوشاه) نائب وقائد محمود غازان إلخان مغول فارس (الإلخانات).

بدأت المعركة في الثاني من رمضان سنة 702هـ / 20 إبريل 1303م، واستمرت ثلاثة أيام بسهل شقحب بالقرب من دمشق في الشام، وسميت باسم المنطقة.

قبل هذه المعركة بثماني سنوات كان السلطان المغولي محمود غازان سلطان الدولة الإلخانية المغولية قد أعلن أن الإسلام هو الدين الرسمي للمغول، وذلك بعد اعتناقه هو ومئة ألف من المغول للدين الحنيف، وعندما تقدم المغول نحو بلاد الشام انتشر التردد في بلاد الشام ومصر حول شرعية قتال المغول بعد اعتناقهم للإسلام!

وكان من ضمن جيش المسلمين حينها شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان صوته وفتواه هو الفيصل في هذه المعركة، وسبب النصر فيها على المغول؛ فقد كان المسلمون مترددين في قتالهم بسبب إسلامهم، مما أوهن عزائم المقاتلين.

هنا تدخل ابن تيمية بعقلية العالم المجتهد، الذي يزن الأحداث في ميزان الشرع والمصلحة العليا للمسلمين، فما كان منه إلا أن أصدر فتوى من أغرب الفتاوى، يقول فيها: “إذا وجدتموني في صفوف التتار، وفوق رأسي مصحفاً فاقتلوني”، وكان لهذه الفتوى تأثير قوي في العزم على قتال المغول، وزادت الحماسة في صفوف الجيش والمتطوعين عندما علموا بأن جيش المغول قد أتى معه جيش من مملكة أرمينيا المسيحية، وأن قسماً كبيراً من جيش المغول لا يزال على دين الوثنية.

دارت رحى المعركة بقوة ولكنها انتهت بانتصار ساحق للمماليك، وأنهى طموحات محمود غازان في السيطرة على الشام والتوسع في العالم الإسلامي.

ومن خلال اطلاعي على الواقع الميداني وكثير من الحواضن الشعبية اليمنية وما يتردد صداه في أوساطهم فهناك من يتردد من اليمنيين بقتال الحوثيين كونهم مسلمين، على حد تعبيرهم، لكنهم لا يحسبون حساباً أن هؤلاء الحوثيين إنما هم معتدون، انقلابيون، بغاة على اليمنيين؛ قتلوا الأبرياء، ودمروا مصالح اليمن واليمنيين، وانقلبوا على الشرعية، وهذا كل ينبغي أن يكون دافعاً وحافزاً لبقية اليمنيين لردهم عدوان المعتدي وبغي البغاة وإصلاح ما أفسدوه من خراب اليمن، وما أوتي اليمنيون إلا من خلال هذه الثغرة.

وميزان الله وشرعه واضح في هذه الحالة {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}الحجرات9

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}البقرة194

فالحوثيون يقاتلون اليمنيين بكل وحشية دون اعتبار لدين ولا حساب لقربى، ولا مراعاة لمصلحة، وفوق كل ذلك تحركهم أيادٍ خارجية يقدمون مصالحها على مصالح بقية اليمنيين.

لقد بحثت كثيراً في ظروف القتال بين المقاومة والجيش من جهة والحوثيين من جهة أخرى، وتبين لي أن مقاتلي الشرعية المدافعين عن الوطن ومصالح اليمن يصلون بالقتل إلى مرحلة التشبع فتوهن عزيمته من قبل نفسه اللوامة فيتراجع عن القتل ولا يصر كثيراً عليه، وأدركت المليشيا الحوثية هذه النقطة ولا تكترث لعدد قتلاها طالما أنها تحقق أهدافها وتسقط المواقع، فضلاً عن عوامل أخرى.

ثلاث معارك رئيسة للجيش والمقاومة منذ 2004 وحتى اليوم وجدت هذا الأمر يتكرر فيها ويسبب نكسة للجيش والمقاومة؛ معركة في إحدى جبال صعدة قال أحد الزملاء كنا نقتل منهم بلا حساب وهم يكرون ويضحون ولا يكترثون، وعندما نرى ذلك يصيبنا اليأس من كثرة القتل، وكنا نجد حبوب منع النزيف في جيوبهم ولا نجد قطرة دم في أجسادهم!

أما المعركة الثانية فهي معركة جبل المحشاش والجنات والجميمة في عمران أثناء غزوهم عمران، بحسب مصدر آخر من الزملاء المقاومين كنت أتابعه أثناء القتال لحظة بلحظة ويسرد نفس القصة.

يقول الصديق المشارك في تلك المعارك: كانوا يهجمون في جبل المحشاش والجميمة بأفواج كثيرة، وكنا نحدث فيهم المقتلة العظيمة ولا يبالون، وكان القتال بيننا وبينهم من مسافة صفر، حتى إذا نفدت الذخائر قاتلناهم بالسلاح الأبيض وبالسونكي (خنجر الكلاشينكوف) حتى نشتبك بالأيدي، وكان القتلى منهم بلا حساب!

ذكر القشيبي الإبن أن المعركة كانت في صالح الجيش والمقاومة طيلة أشهر القتال قبل أن تتحول في اليومين الأخيرين لنكسة للجيش بسبب عدة عوامل، وهذا يعزز قول ذلك الصديق بكثرة قتلاهم بالآلاف!

ربما لم يدرك الكثير من اليمنيين ما جرى في هذه المعركة وأهميتها أثناء غزو عمران في طريق الانقلاب، لكن زلة لسان لعلي الحاكم في لقاء جانبي أوضح أنهم خسروا في طريق عمران أكثر من أربعة آلاف عنصر.

كنت متردداً أن أتحدث عن هذه المعارك خشية أن لا يصدق أحد هذه الأرقام في ظل وجود الكم الهائل من وسائل الإعلام في تغطيتها الميدانية لهذه المعارك؛ فقد كان أحد الأصدقاء المقاومين حينها يبلغني بكل صغيرة وكبيرة وعن الأعداد المهولة للقتلى الحوثيين الذي أقسم حينها أنهم بالآلاف!

أما المعركة الثالثة فهي معركة جبل نهم الذي انسحب منه المقاتلون؛ حيث كانت هجمات الحوثيين بأنساق وأفواج متتالية؛ كلما انتهى نسق وفوج عززوا بنسق وفوج آخر، فقال أحد الزملاء المقاتلين: قتلت لوحدي أكثر من 15 عنصراً ووصلنا بعدها حد التقيؤ من كثرة القتل ونفوسنا تؤلمنا على ذلك، مما يوهن في صفوفنا ويجعلنا نتراجع حتى لا تسيل دماء أكثر!

هذه إذاً نقطة ضعف المقاومة والجيش، والتي ينبغي أن يتم العمل من أجل التوعية فيها سياسياً وعسكرياً وشرعياً، وإلا كانت الهزيمة التي رأيناها في كل هذه المحطات.