من البلاشفة إلى قرقاش: تاريخ متكرر لتصنيف الخليج وتفكيك أحدث فصوله
من البلاشفة إلى قرقاش: تاريخ متكرر لتصنيف الخليج وتفكيك أحدث فصوله

من البلاشفة إلى قرقاش: تاريخ متكرر لتصنيف الخليج وتفكيك أحدث فصوله- نبض مصر

تمهيد: عودة نمط قديم

حين أعلن وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش ، في اجتماع جمع “مؤثرين خليجيين” ، تصنيفَ دول المنطقة إلى «حمائم» و«صقور» في مواجهة إيران ، لم يكن يبتكر أداةً جديدة . كان يستعيد نمطاً ثلاثي الجولات ، جرّبه البلاشفة ثم الناصريون ثم الإيرانيون ، وأخفق في كل مرة لأسباب بنيوية لا ظرفية . المفارقة هذه المرة أن المُصنِّف ليس من خارج المنظومة الخليجية بل من داخلها ، وهذا ما يجعل التفكيك أكثر إلحاحاً .

✨تسعى هذه الورقة إلى ثلاثة أشياء: استعراض السلسلة التاريخية لتصنيف الخليج بوصفها نمطاً لا حوادث متفرقة ، استخلاص القوانين التي تحكم فشل هذا النمط ، ثم تفكيك تصنيف قرقاش تحديداً بأدوات الفاعل المُصنِّف ومعادلة التحكم بالإطار .

1️⃣ الجولة الأولى: البلاشفة وثنائية الرجعي/المتقدم
حين انطلق المشروع الأممي الشيوعي من موسكو في مطلع القرن العشرين ، واجه أمام العالم العربي معضلةً مزدوجة: لا يمكنه تجنيد الحركات الشعبية دون إحراج الأنظمة ، ولا يمكنه مهاجمة الأنظمة دون تنفير الشعوب . الحل كان في الفرز: تصنيف دول المنطقة إلى «رجعية» تستحق الإطاحة ، و«متقدمة» يمكن العمل معها أو من خلالها . الأداة الفعلية التي استُخدمت لم تكن الأيديولوجيا وحدها بل تحويل العلاقة مع الاتحاد السوفيتي إلى معيار للتصنيف: من قبل تبادل الدبلوماسيين ومواثيق الصداقة وإيجاد توأمة تتضمن تبني مباديء الشيوعية الأممية صار «متقدماً» ، ومن رفض صار «رجعياً» عميلاً للاستعمار والرأسمالية . القاموس كان أشد وضوحاً من الواقع وهذا بالضبط ما أشعل ضده المناعة .
لماذا أخفق؟
أولاً: القاموس مستورد من الإتحاد السوفيتي لا منبثق من الواقع العربي ، فبدا لكثيرين غطاءً لنفوذ أجنبي لا خريطة تحليلية .
ثانياً: غياب القيمة المضافة: لم يقدّم التصنيفُ الشيوعيُ للدول المُصنَّفة «متقدمة» فائدةً استراتيجية فعلية تقابل ثمن الانحياز .
ثالثاً: المناعة الدينية: المجتمعات الخليجية كانت تمتلك هوية دينية-قبلية محكمة جعلت المشروع الإلحادي الأممي طارئاً لا جذراً .
والنتيجة: استعار اليسار العربي القاموس البلشفي وكيّفه محلياً ووسمنا بالرجعية ، لكن التصنيف لم يُنتج اصطفافاً دائماً ولم يُعد هندسة المشهد على النحو الذي أراده صانعوه . الخليج ظل خليجاً .

2️⃣ الجولة الثانية: الناصريون وثنائية التقدمي/الرجعي
مع صعود المد الناصري في الخمسينيات والستينيات ، وُلد تصنيف جديد أكثر إقليمية في مصطلحاته وأشد تأثيراً في خطابه . ثنائية «التقدمي/الرجعي» استعارت العمود الفقري البلشفي لكنها ألبسته ثوباً قومياً-عروبياً ، فبدت أقل استيراداً وأكثر أصالة .
الفارق البنيوي عن الجولة الأولى أن المُصنِّف هذه المرة عربيٌّ يتكلم العربية ، ويستحضر فلسطين والوحدة القومية . هذا منح القاموس صدقيةً ظرفية أعلى . غير أن المُصنِّف نفسه كان يحمل تناقضاً داخلياً قاتلاً: دولة مركزية تدّعي الزعامة القومية وتمارس في الوقت ذاته هيمنةً على الحركات التي تدّعي رعايتها .
لماذا أخفق؟
أولاً: انهارت معادلة التصنيف حين انكشف أن الهزيمة (١٩٦٧) لم تُفرّق بين «تقدمي» و«رجعي»: كلاهما ذاق المرارة نفسها أو بقي بمنأى عنها وهذا مافعله التقدمي المزعوم .
ثانياً: الدول الخليجية المُصنَّفة «رجعية» أثبتت عبر العقود أن قدرتها التنموية والتطويرية تفوق بكثير ما حققه «التقدميون» لمجتمعاتهم .
ثالثاً: الناصرية لم تكن تبني نظاماً إقليمياً بديلاً بقدر ما كانت تحاول تأميم القرار العربي لصالح مركز واحد ، فرُفضت كمشروع هيمنة لا تحرر .
ومع ذلك، كان التصنيف الناصري الأكثر تأثيراً في الوجدان الشعبي لأنه خاطب الهوية لا المصلحة فحسب . وهذا يُعلّمنا: التصنيف يدوم أطول حين يسكن العواطف، لكنه يسقط حتماً حين تخونه الوقائع .

3️⃣ الجولة الثالثة: إيران وثنائية الاعتدال/المقاومة
مع الدخول الإيراني على خط الصراع العربي الإسرائيلي ، وُلد أذكى تصنيف في السلسلة لأنه استغل عصبَ الوجدان العربي الأكثر حساسية: فلسطين . ثنائية «محور الاعتدال/محور المقاومة» لم تكن مجرد أداة دبلوماسية بل هجوماً على الشرعية: من وُصف بـ«الاعتدال» واجه تهمة ضمنية بالتهاون في خيار المقاومة المسلحة . وكان التصنيف مدروساً في توقيته وقاموسه معاً: لغة المقاومة تُحرج أي ردّ مباشر، وتجعل الرفض يبدو دفاعاً عن التطبيع لا رفضاً للتدخل. . والحقيقة أن ايران بدخولها خط الصراع العربي الإسرائيلي ليس من باب القيمة المضافة إنما من أجل تشطير الصف العربي وتقسيم البيت الفلسطيني نفسه .
لماذا أخفق في نهاية المطاف؟
أولاً: الانفصام بين القاموس والفعل: «المقاومة» بنت مليشيات في لبنان والعراق واليمن وسوريا جُلّها موجّهة ضد المجتمعات العربية لا ضد إسرائيل . حين تقتل الأداةُ الحاضنةَ أصبح الاسم كاذباً .
ثانياً: الدخول من باب التقسيم لا القيمة المضافة: إيران لم تدخل على الصراع بما يُقدّم حلاً للمعضلة الفلسطينية بل بما يُوظّفها لتمديد نفوذها الإقليمي وتقسيم الصف العربي . الوسيلة أفضحت الغاية .
ثالثاً: الهوية الطائفية: رغم الخطاب الإسلامي الظاهر ، لم تستطع طهران إخفاء البُعد الطائفي لمشروعها ، خاصة بعد العراق وسوريا . فانكشف أن التصنيف كان مظلة لمشروع هيمنة بتبعية صفوية .

الخلاصة التاريخية: ثلاثة فصول، نمط واحد. في كل مرة ، دخل المُصنِّف من باب قيمة ادّعاها (الأممية، القومية، المقاومة)، وفي كل مرة كشفت الوقائع أن التصنيف كان أداةً للتقسيم لا للتوحيد، وللهيمنة لا للتحرر . والخليج في كل مرة أثبت مناعةً تراكمية .

4️⃣ الجولة الرابعة: قرقاش وثنائية الحمائم/الصقور
في اجتماع خليجي يجمع ماتم تصنيفهم “مؤثرين” من بعض دول المنطقة ، تبنّى وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش تصنيفاً يُقسّم الدول الخليجية في مواجهة الملف الإيراني إلى «حمائم» تميل للتهدئة وتفضّل التسوية التفاوضية في حرب ليست حربهم ، و«صقور» تُؤثر الحزم وترفض التنازل . وقد وُظّف هذا التصنيف في سياق التعليق على مواقف بعض الدول الخليجية دون أن يسميها .

أولاً: تفكيك القاموس المستعار
ثنائية «حمائم/صقور» ليست من إنتاج المنطقة. هي استعارة أمريكية الأصل ، وُلدت في أدبيات الحرب الباردة لوصف التيارات داخل الإدارة الأمريكية إزاء المواجهة النووية مع الاتحاد السوفيتي ، ثم انتقلت لتوصيف النقاشات داخل المؤسسات الغربية حول إدارة الأزمات . توظيفها في السياق الخليجي يعني استيراد إطار ذهني غربي لقراءة تعقيد إقليمي مغاير تماماً في بنيته .
المشكلة ليست في المصطلح بل في ما يُضمره: الاستعارة تفترض ضمنياً أن «الصقر» أكثر صرامةً وبالتالي أكثر مبدئيةً ، بينما «الحمامة» أكثر مرونةً وبالتالي ضمنياً أقل حسماً . هذا إطار قيمي مُدمج في البنية اللغوية ذاتها .

ثانياً: المفارقة الجوهرية_ المُصنِّف هذه المرة من الداخل
ما يميّز هذه الجولة عن سابقاتها الثلاث أن المُصنِّف ليس بلشفياً من موسكو ولا ناصرياً من القاهرة ولا مُلّاً من طهران . هو وزير دولة خليجي، يتكلم لهجةً قريبة ، ويشارك في المؤسسات الإقليمية نفسها . هذا القرب يمنح التصنيف براءةً ظرفية مضاعفة في الظاهر ، لكنه في الباطن يجعله أشد خطورةً لأنه يعمل من داخل بنية الثقة .
الفاعل الخارجي حين يُصنّفك يبقى صوته محدود التأثير لأن التوجّس منه طبيعي . أما الفاعل الداخلي حين يُصنّفك فهو يستخدم رصيد الأخوة الإقليمية أداةً للضغط ، وهذا ما يجعل الردّ عليه أصعب سياسياً دون أن يجعل التصنيف أكثر صحةً تحليلياً .

ثالثاً: طبقات التصنيف وما تُضمره
يشتغل تصنيف قرقاش على أربع طبقات في آن:
الطبقة الأولى_التبسيط القسري: العلاقة مع إيران مسألة بالغة التعقيد تتشابك فيها الجغرافيا والاقتصاد والأقليات والمصالح المتقاطعة . ردّها إلى ثنائية حزم/لين إجبار على الاختيار بين ضفّتين لا يعكسان حقيقة الموقف في حرب لها بعد اقليمي ودولي لسنا طرف فيها .
الطبقة الثانية_ إعادة توزيع الشرعية: من قَبِل التصنيفَ أصبح محتاجاً لتبرير موقعه داخله . دولة ترفض الانجرار لمواجهة تبدو في إطار «الحمائم» وكأنها تفرّط في السيادة ، لا وكأنها تُمارس حكمةً استراتيجية .
الطبقة الثالثة_ هندسة التوافق المسبق: قبل أي مفاوضات جدية أو اتفاقيات ، يُحدد التصنيف من يملك «حق الكلمة الفصل» في الملف الإيراني داخل المنظومة الخليجية .
الطبقة الرابعة_ إخفاء الفاعل المُصنِّف: قرقاش لم يقدّم التصنيف بوصفه مصلحةً إماراتية، بل بوصفه قراءةً موضوعية للمشهد . هذا هو الادعاء الأخطر: أن يصير المُصنِّف محايداً وتصبح سلطته غير مرئية .

رابعاً: السؤال المحرج — ما مصلحة الإمارات؟
لا يمكن قراءة التصنيف خارج سياق المصلحة الإماراتية . الإمارات تمتلك في الوقت الراهن مصلحة متمايزة في إدارة العلاقة مع إيران: مصالح تجارية ضخمة ، وحرص على تفادي أي تصعيد يُهدد النموذج الاقتصادي الجاذب للاستثمار والسياحة . في المقابل تمتلك أجندةً في الملفات الإقليمية المحيطة بإيران تجعل موقفها من طهران أكثر تركيباً مما يوحي به لفظ «الصقور».
بمعنى آخر: الإمارات ليست «صقراً» وفق منطقها الداخلي في علاقتها التجارية مع إيران ، لكن وزيرها يوظّف قاموس «الصقور» لأغراض أخرى في الملفات الإقليمية . التصنيف أداة تكتيكية لا وصف استراتيجي أمين .

5️⃣ القانون المشترك: لماذا تفشل هذه التصنيفات دائماً؟
عبر الجولات الأربع، يمكن استخلاص ثلاثة قوانين ثابتة تحكم فشل تصنيف الخليج:
القانون الأول: غياب القيمة المضافة الفعلية
في كل جولة، دخل المُصنِّف من باب ادعاء القيمة (الأممية، الوحدة القومية، المقاومة، الاستراتيجية الإقليمية)، لكنه لم يُقدّم للدول المُصنَّفة عرضاً حقيقياً يجعل قبول التصنيف مربحاً . حين يكون ثمن الانضواء داخل التصنيف أعلى من عائده ، ترفض الدول الاصطفاف .

القانون الثاني: التناقض بين المسمّى والفعل
ثنائية «مقاومة/اعتدال» انهارت حين رأى العالم العربي أن المليشيات التي رعتها «المقاومة» كانت تمزّق المجتمعات العربية . وثنائية «تقدمي/رجعي» انهارت حين تبيّن أن «الرجعيين» يُديرون اقتصادات أكثر تطوراً من «التقدميين». حين يفضح الواقع كذبَ التصنيف تتآكل سلطة المُصنِّف أسرع مما يتآكل المُصنَّف.

القانون الثالث: المناعة التراكمية
كل جولة فاشلة تُرسّخ لدى الدول الخليجية حصانةً جديدة ضد التصنيف التالي . اليوم وقد اختبرت المنطقة ثلاث جولات كاملة أصبحت الحساسية تجاه محاولات الاستقطاب التصنيفي أعلى بكثير مما كانت عليه في عقود سابقة . هذا يعني أن تصنيف قرقاش يصطدم بمناعة مزدوجة: تاريخية (من الجولات السابقة) وداخلية (من كون المُصنِّف شريكاً لا خصماً أفعاله تجاه إيران تناقض أقواله ، مما يُفعّل آليات الرقابة المتبادلة بين الأعضاء).

6️⃣ الموقع الصحيح: الفاعل الكاسر للقاموس
في مقابل ثلاثة مواقع يمكن للدولة أن تتخذها حين تواجه تصنيفاً مفروضاً — القبول والتموضع داخله، أو الرفض الانفعالي، أو كسر القاموس وفرض بديل — يبقى الموقع الثالث هو الأعلى استراتيجياً والأصعب تنفيذاً.
كسر القاموس لا يعني الإنكار أو الصمت. يعني إعادة تعريف الأسئلة: بدل «هل نحن حمائم أم صقور؟» يصبح السؤال «من أعطى أحداً حق هذا التصنيف؟ وما المعيار الذي يخدم؟ وأين القيمة المضافة لمن يُصنِّف؟». هذه أسئلة تُعيد المبادرة إلى المُصنَّف وتُضع المُصنِّف في موضع المُساءَل.
الدولة التي تعيد كتابة الأسئلة لا تجيب على التصنيف — بل تُلغيه.
في سياق الهوية الخليجية تحديداً المناعة ضد التصنيف ليست ترفاً أيديولوجياً بل ضرورة استراتيجية . دول المنطقة تعلّمت من البلاشفة ومن الناصريين ومن إيران أن القبول بقاموس الآخر هو تنازل عن نصف المعركة قبل أن تبدأ . الغموض الاستراتيجي المحسوب: الرفض الضمني للتصنيف مع الحفاظ على قنوات التواصل كان دائماً الخيار الأذكى .

✨ خلاصة: من يكسر القاموس يمتلك المركز
أربع جولات من تصنيف الخليج، وقانون واحد يحكمها جميعاً: من دخل من باب التصنيف دون قيمة مضافة فعلية يقدمها ، ودون قاموس نابع من الواقع لا مستورد من الخارج ، خرج من الباب الضيّق .

السؤال ليس: هل نقبل تصنيف «الحمائم» أم «الصقور»؟ السؤال هو: من أعطى أحداً حق التصنيف ، وأين مصلحته في فرضه وهو لم يعمل بمقتضاه؟