من القواعد العسكرية في ألمانيا.. تداعيات قرار ترامب بسحب 5 آلاف جندي أمريكي
ترامب

من القواعد العسكرية في ألمانيا.. تداعيات قرار ترامب بسحب 5 آلاف جندي أمريكي- نبض مصر

​بدأت ملامح أزمة ديبلوماسية كبرى تتشكل في الأفق بين واشنطن وبرلين بعد أن قرر الرئيس ترامب ترجمة تهديداته الرقمية إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع العسكري. فبينما كان القادة في ألمانيا يعتقدون أن منشورات الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للضغط السياسي.

استيقظ الجميع على وقع قرار صادم يقضي بسحب آلاف الجنود الأمريكيين. لقد أخطأت الحسابات الألمانية في تقدير جدية الرئيس الذي يرفض أنصاف الحلول في سياسته الخارجية.

​حسب تقرير لـ القاهرة الإخبارية، فإن وزارة الدفاع الأمريكية بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات تنفيذية لنقل خمسة آلاف جندي من القواعد المتمركزة في الأراضي الألمانية إلى وجهات أخرى. وتأتي هذه الخطوة كرسالة سياسية وعسكرية واضحة من ترامب الذي لم يعد يتقبل الانتقادات الألمانية المستمرة لإستراتيجيته في الشرق الأوسط. ويبدو أن التحذيرات التي أطلقها المسؤولون في البنتاجون يوم الجمعة الماضي كانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير في هذه العلاقة.

كواليس الخلاف الحاد حول إدارة الحرب الإيرانية

​تعود جذور الأزمة الحالية إلى الطريقة التي تعامل بها المستشار الألماني فريدريش ميرز مع التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة. فبينما كانت واشنطن تشن هجمات عسكرية، كان ميرز يوجه انتقادات لاذعة للبيت الأبيض أمام طلاب المدارس وفي المحافل العامة. هذا السلوك الألماني اعتبره ترامب طعنة في الظهر من حليف يفترض أن يدعم المجهود الحربي الأمريكي بكل الوسائل الممكنة.

​أوضح المسؤولون في البيت الأبيض أن قرار سحب القوات ليس مجرد إعادة تموضع عسكري بل هو عقوبة مباشرة لبرلين على مواقفها السياسية الأخيرة. فالمستشار الألماني صرح علانية بأن الولايات المتحدة تفتقر إلى إستراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، وهو ما أثار حفيظة ترامب بشكل كبير. يرى الرئيس الأمريكي أن الحلفاء يجب أن يظهروا جبهة موحدة، خاصة عندما تتعرض المصالح الحيوية والطاقة العالمية للتهديد في مضيق هرمز الاستراتيجي.

تاريخ الوجود العسكري الأمريكي من الحرب العالمية إلى اليوم

​يمتد تاريخ الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا لأكثر من ثمانية عقود، حيث بدأ مع استسلام النظام النازي في عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين ميلادية. في ذلك الوقت، كان هناك أكثر من مليون ونصف المليون جندي أمريكي يشرفون على مناطق الاحتلال. ومع مرور السنوات وتطور الحرب الباردة، تحولت المهمة من تفكيك النازية إلى بناء جدار صد منيع ضد التمدد السوفيتي في أوروبا الشرقية.

​في ذروة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي، كانت ألمانيا تضم مئات القواعد العسكرية الأمريكية التي يسكنها ربع مليون جندي مع عائلاتهم في مدن متكاملة. هذه القواعد لم تكن مجرد ثكنات، بل كانت رموزاً للهيمنة الأمريكية وضمانة للأمن الأوروبي الجماعي تحت مظلة حلف الناتو. ومع سقوط جدار برلين، بدأ العدد في التراجع تدريجياً، لكن ألمانيا ظلت المركز اللوجستي الأهم للعمليات الأمريكية في القارة العجوز وأفريقيا.

القواعد العسكرية الألمانية كمحاور إستراتيجية للنفوذ العالمي

​تعتبر قاعدة رامشتاين الجوية هي الجوهرة في تاج الوجود العسكري الأمريكي، حيث تضم ثمانية آلاف وخمسمائة فرد من القوات الجوية والكوادر الفنية المتخصصة. كما تحتضن مدينة شتوتجارت مقر قيادة القوات الأمريكية في أوروبا وقيادة أفريقيا، وهما المركزين اللذين تدار منهما كافة العمليات العسكرية في القارتين. إن المساس بهذا الوجود يعني بالضرورة إعادة رسم خريطة النفوذ العسكري الأمريكي في العالم بأسره.

​تنتشر القوات الأمريكية حالياً في ما يصل إلى أربعين قاعدة ومنشأة عسكرية، توفر الدعم اللوجستي والطبي للجنود المصابين في جبهات القتال المختلفة. ولطالما استغل القادة الألمان هذه الحقيقة لإقناع أنفسهم بأن واشنطن لا تستطيع التخلي عن برلين لضرورات جغرافية وعملياتية. لكن إصرار ترامب على معاقبة الحلفاء “المقصرين” جعل هذه الثوابت العسكرية محل شك كبير، مما وضع الأمن القومي الألماني في مهب الريح.

فشل الدبلوماسية الألمانية في احتواء غضب البيت الأبيض

​رغم محاولات المستشار ميرز لبناء علاقة شخصية قوية مع الرئيس الأمريكي خلال زيارته لواشنطن في مارس الماضي، إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال. فبينما خرج ميرز ليؤكد للصحفيين أن الوجود العسكري الأمريكي باقٍ ولن يتأثر، كان ترامب يخطط لخطوات مغايرة تماماً. هذا الانفصام بين الواقع الدبلوماسي والقرارات العسكرية أظهر فجوة كبيرة في فهم النخبة السياسية الألمانية لعقلية الإدارة الأمريكية الحالية.

​لقد حاول الألمان تقديم تنازلات مشروطة بشأن تأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكن شروطهم المتعلقة بموافقة الأمم المتحدة لم تكن كافية لترامب. يرى الرئيس أن الحلفاء يجب أن يتحركوا فوراً لحماية مصالحهم المشتركة دون انتظار البيروقراطية الدولية المعقدة. وبسبب هذا التردد الألماني، فقدت برلين ثقة واشنطن، وبدأ البنتاجون في حزم حقائب خمسة آلاف جندي لم يعد مرغوباً في بقائهم هناك لدعم حليف “غير متعاون”.

مستقبل الأمن الأوروبي في ظل الانسحاب الأمريكي التدريجي

​وصف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قرار الانسحاب بأنه كان متوقعاً، لكنه أكد في الوقت ذاته على ضرورة تحمل الأوروبيين لمسؤولياتهم الأمنية. هذه التصريحات تعكس واقعاً جديداً تفرضه سياسة ترامب التي تعتمد على مبدأ “تقاسم الأعباء” بشكل صارم وعادل. فإذا كانت ألمانيا ترغب في الحماية الأمريكية، فعليها أن تدفع الثمن سياسياً وعسكرياً ومالياً دون مواربة أو انتقادات علنية للسيادة الأمريكية.

​يرى الخبراء أن سحب الخمسة آلاف جندي قد يكون مجرد بداية لمسلسل طويل من الانسحابات إذا لم تغير برلين نهجها الدبلوماسي. فالولايات المتحدة تمتلك بدائل أخرى في أوروبا الشرقية، حيث تبدي دول مثل بولندا استعداداً أكبر لاستضافة القوات الأمريكية وتقديم تسهيلات واسعة. إن الكرة الآن في ملعب القادة الأوروبيين لإثبات جدارتهم بالشراكة مع واشنطن، أو البدء في بناء جيش أوروبي موحد يملأ الفراغ الذي سيخلفه الرحيل الأمريكي.

​في نهاية المطاف، يبقى قرار ترامب بسحب القوات نقطة تحول تاريخية في العلاقات العابرة للمحيط الأطلسي التي صمدت لعقود طويلة. إن الرسالة التي لم يفك شفرتها الألمان في البداية أصبحت الآن واضحة وضوح الشمس ومكتوبة في أوامر النقل العسكرية. فالعالم في عام ألفين وستة وعشرين لم يعد يقبل التحالفات التقليدية المبنية على العاطفة، بل على المصالح المتبادلة والالتزام الكامل بالخطط الإستراتيجية المشتركة بين الحلفاء.