أعتقد أن أي دعوة إلى الحوار لا تكتسب معناها الكامل لمجرد أنها حظيت بالترحيب أو أحاطت بها اهتمامات إعلامية مختلفة، فالسياسة كثيراً ما تجيد صناعة المشهد أكثر مما تجيد صناعة المضمون، وتمنح الكلمات بريقاً قد لا يسنده واقع.
ولذلك يصبح التمييز هنا ضرورياً بين الحوار بوصفه حدثاً دعائياً، والحوار بوصفه مساراً تأسيسياً يعيد ترتيب المجال العام. الأول يستهلك اللحظة ثم ينطفئ معها، أما الثاني فينشأ من حاجة موضوعية تتجاوز الانفعال الآني إلى بناء شروط الاستقرار.
وفي الحال السياسية في جنوب اليمن تبدو الحاجة ماسة إلى هذا النوع الثاني تحديداً، لأن التحديات القائمة في تقديري ليست سطحية ولا قابلة للمعالجة بالشعارات المختصرة.
ذلك أن الحوار، في معناه العميق، ليس اجتماع أطراف متباعدة حول طاولة واحدة، بل انتقال ذهني من منطق المغالبة إلى منطق الاعتراف، بعبارة أخرى أدق إنه تحول في تصور الذات والآخر معاً، إذ تكف السياسة عن أن تكون ميدان إقصاء، وتصبح مجال تنظيم للمصالح والاختلافات.
وكل مجتمع مر بتجارب صراع طويل يحتاج في تصوري أولاً إلى مراجعة لغته السياسية قبل مراجعة خرائطه التنظيمية. فالكلمات التي بنيت على النفي لا تستطيع في تقديري أن تؤسس شراكة، والخطابات التي نشأت على احتكار الحقيقة لا تنتج تسوية قابلة للحياة، ومن ثم فإن الحوار الجنوبي، إن أريد له النجاح، يحتاج إلى مراجعة حقيقية في المفاهيم بقدر حاجته إلى ترتيبات متوازنة في الإجراءات.
لا يكون الاعتراف بالتعدد، من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه، مسألة شكلية أو تنازلاً اضطرارياً، بل شرطاً معرفياً لفهم الواقع كما هو. فجنوب اليمن ليس كتلة صماء، ولا مجتمعاً أحادي الصوت، بل هو في اعتقادي فضاء سياسي واجتماعي تشكل عبر مسارات تاريخية متباينة وتجارب محلية مختلفة وذاكرات عدة.
إن إنكار هذا التنوع لا يلغيه، بل يدفعه إلى الظهور في صور أكثر توتراً. والسياسة الرشيدة كما أرى لا تبدأ من تصور مثالي للناس، بل من واقعهم المركب كما هو قائم، لذلك فإن أول درجات العقلانية السياسية تتمثل في الإقرار بأن التعدد حقيقة موضوعية لا يمكن القفز فوقها ولا تجاوزها بالرغبات.
ولعل إحدى مشكلات المجال السياسي العربي عموماً، واليمني خصوصاً، أنه كثيراً ما تعامل مع الوحدة بوصفها نقيضاً للتعدد، مع أن التجربة الإنسانية تثبت أن الوحدة الحقيقية لا تبنى إلا من خلال “إدارة الاختلاف”، فالتجانس القسري قد ينتج صمتاً موقتاً، لكنه لا ينتج استقراراً دائماً. أما التوافق المبني على “الاعتراف المتبادل”، فإنه وإن بدا أبطأ وأكثر تعقيداً، إلا أنه أكثر قدرة على الاستمرار.
ولهذا فإن السؤال الجوهري في تقديري ليس: كيف نجعل الجميع متشابهين؟ بل كيف نجعل المختلفين قادرين على العيش المشترك ضمن أفق سياسي واحد، وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتصدر أي حوار جنوبي جاد.
وإذا انتقلنا من النظرية إلى التجربة، فإن الأعوام الماضية قدمت شواهد كثيرة على محدودية سياسات الاحتكار والإقصاء. فكل مشروع حاول اختزال جنوب اليمن في جماعة واحدة، أو تمثيل واحد، أو خطاب واحد، اصطدم سريعاً بحدود الواقع، ذلك لأن المجتمعات الحية لا تدار بالأوامر الرمزية، ولا تقبل أن تختصر في مركز واحد مهما امتلك من أدوات القوة. وما بدا في لحظات معينة انتصاراً لتيار ما، انكشف لاحقاً باعتباره هدنة موقتة لا أكثر. وهكذا أعادت الوقائع تأكيد أن القوة قد تفرض مشهداً، لكنها لا تصنع شرعية مستدامة.
وعليه، يتضح أن الحوار هنا لا ينبغي أن يفهم كآلية لتوزيع المقاعد أو تهدئة التوترات فحسب، بل كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية على أسس واسعة وواضحة، فالشرعية في المجتمعات المنقسمة لا تنبع من الغلبة، بل من القبول العام النسبي، ومن شعور المكونات المختلفة بأنها ممثلة ومحترمة ومسموعة، وكل سلطة تبنى خارج هذا الإطار تظل معلقة على ميزان القوة، فإذا اختل سقط معها توازنها. أما حين يكون الحوار شاملاً وجاداً، فإنه يمنح المؤسسات القادمة أساساً أخلاقياً وسياسياً يجعلها أقدر على الصمود أمام الأزمات.
فضلاً عن ذلك، ليس خافياً أن البيئة الإقليمية، وفي مقدمها السعودية، تنظر باهتمام بالغ إلى أي مسار يخفف أسباب الصراع ويفتح أبواب التسوية، وهذا الاهتمام البالغ لا يقرأ بوصفه مجرد رغبة في إدارة اللحظة، بل باعتباره إدراكاً متزايداً بأن استقرار المنطقة لا يتحقق عبر حلول جزئية أو انتصارات ناقصة.
في الواقع لقد أثبت العقد الأخير أن الأزمات حين ترحل ولا تحل، تعود بصورة أشد تعقيداً وأكثر كلفة، ومن ثم فإن دعم الحوارات الشاملة ورعايتها يعكس فهماً واقعياً لطبيعة الاستقرار بوصفه بناءً تراكمياً لا قراراً عادياً أو عابراً.
بيد أن أي رعاية خارجية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تنجح إذا غاب الاستعداد الداخلي، فالحوار لا يستورد جاهزاً، ولا تفرض نتائجه مسبقاً، بل يتأسس أولاً على “قناعة” الفاعلين المحليين بأن استمرار الانقسام أعلى كلفة من التسوية. وهذه القناعة هي نقطة التحول الحقيقية في كل تجارب المصالحة الناجحة. حين تدرك القوى المختلفة أن الصراع المفتوح يستنزف الجميع، يبدأ العقل السياسي في البحث عن مساحات مشتركة، أما حين يبقى كل طرف أسير وهم الحسم الكامل، فإن الطاولات تمتلئ بالحضور وتبقى فارغة من النتائج.
وفي الحال السياسية المعقدة في جنوب اليمن، أتصور أن حضور الشخصيات الوطنية المستقلة يكتسب أهمية خاصة، فهذه الشخصيات، حين تمتلك صدقية عامة، تستطيع أن تخفف من استقطاب التنظيمات، وأن تفتح منافذ للحوار لا تتاح دائماً للأطراف المتنافسة، كذلك فإن وجودها يبعث برسالة مفادها أن الشأن العام ليس ملكاً حصرياً للقوى المنظمة، بل مساحة واسعة تشمل الكفاءات والخبرات والوجاهات الاجتماعية والثقافية. والمجتمعات التي تحصر مستقبلها في صراع التنظيمات والمكونات، غالباً ما تضيع طاقات كثيرة كان يمكن أن تسهم في التوازن والتقريب وصناعة الحلول.
وعليه أرى من الضروري هنا التمييز بين التعدد والفوضى، لأن بعض الخطابات تخلط بينهما عمداً أو جهلاً، فالتعدد لا يعني غياب المركز السياسي، بل يعني أن هذا المركز يتشكل عبر التوافق لا عبر المصادرة، ولا يعني انعدام القرار، بل يعني أن القرار يكتسب مشروعيته من المشاركة.
في الواقع إن الفوضى تنشأ حين ينكر التنوع ويدفع إلى العمل خارج المؤسسات، بينما ينشأ الاستقرار حين يعترف به ويدمج داخل قواعد واضحة، ولذلك فإن “إدارة التعدد” في تقديري ليست عبئاً على الدولة المنشودة، بل أحد شروط إمكانها.
كذلك فإن مراجعة الذاكرة السياسية تبقى جزءاً لا ينفصل عن أي حوار ناضج. فالأزمات لا تنشأ من الحاضر وحده، بل من تراكمات لم تناقش كما ينبغي، ومن أخطاء جرى تجاوزها شكلياً من دون معالجتها جذرياً، وفي مقدم تلك الأخطاء “وهم الصوت الواحد الذي لا يعلو فوق صوته صوت”، ذلك التصور الذي يرى المجتمع امتداداً لقرار واحد، ويعد الاختلاف تهديداً لا ظاهرة طبيعية.
في الواقع لقد أفضى هذا الوهم في تجارب عدة إلى صراعات مؤلمة، لأن ما يقمع سياسياً لا يختفي اجتماعياً، بل يعود في توقيت أشد حساسية، ومن الحكمة في تصوري ألا يعاد إنتاج ما ثبت فشله.
ومن ثم فإن الحوار الجنوبي المطلوب ليس مناسبة بروتوكولية، ولا مهرجاناً للصور والبيانات، بل عملية مراجعة عميقة لمفهوم الشراكة ذاته. ما معنى أن يشترك المختلفون في “إدارة” مستقبلهم؟ ما “حدود” التنافس المشروع؟ وكيف تصان “الحقوق المتبادلة”؟
هذه الأسئلة في تصوري أكثر أهمية من تفاصيل المقاعد والألقاب، لأنها تتصل بالبنية التي ستنظم الحياة السياسية لاحقاً. وإذا أهملت البنية، تحولت كل تسوية إلى هدنة موقتة تنتظر أول اختبار كي تتصدع، أما إذا عولجت من الجذور، فإن فرص الاستقرار تصبح أكبر وأكثر واقعية.
وفي تقديري، فإن المستقبل الجنوبي لن يبنى بإنكار التعدد، بل بتحويله من “مصدر توتر” إلى “مصدر توازن”. فالمجتمع الذي تتجاور داخله الأصوات المختلفة يمتلك، إذا أحسن الإدارة، فرصاً واسعة للتصحيح والمراجعة والمرونة، أما المجتمع الذي يختزل في صوت واحد، فإنه يبدو متماسكاً إلى أن يواجه أول أزمة حقيقية.
ولذلك فإن الإقرار الصريح بالتعدد ليس مجاملة لأحد، بل احترام للواقع، والقبول به ليس ضعفاً، بل تعبير عن نضج سياسي. وعلى هذا الأساس وحده يمكن للحوار الجنوبي أن ينتقل من شعار متكرر إلى مشروع قابل للحياة.
*إندبندنت عربية

