تتجه أنظار العالم نحو إيران ومساعيها الحثيثة لإعادة رسم خريطة تحالفاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بعد المتغيرات العنيفة التي عصفت بالمنطقة، حيث تعكس الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الصينية بكين رغبة واضحة في كسر طوق العزلة وتفعيل الشراكات الشرقية، محاولا استثمار الثقل الصيني الدبلوماسي والاقتصادي لخلق توازن جديد يعوض الخسائر الناجمة عن الضغوط الأميركية المتصاعدة، وسط ترقب دولي لمآلات هذه التحركات السريعة.
وحسب تقرير لـ صحيفة اندبندنت عربية فإن هذه الخطوات الدبلوماسية تأتي في توقيت شديد الحساسية والتعقيد لكلا الطرفين، حيث تواجه طهران أزمات مركبة تبدأ من تعثر مسارات التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة وتمتد إلى التهديدات العسكرية المستمرة التي طاولت بنيتها التحتية، وصولا إلى الحصار الاقتصادي الخانق الذي شل حركة موانئها وأثر بعمق على شرايين حياتها التجارية، مما يجعل لجوءها إلى التنين الآسيوي خيارا استراتيجيا لا بديل عنه.
حسابات استراتيجية معقدة في توقيت حاسم
وتكتسب زيارة رئيس الدبلوماسية الإيرانية الأولى للصين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية أهمية مضاعفة لكونها تسبق بأيام قليلة قمة مرتقبة ومفصلية، ستجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنظيره الصيني شي جينبينغ في بكين لمناقشة ملفات شائكة، مما يطرح تساؤلات ملحة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين في رسم ملامح الشرق الأوسط، ومدى قدرتها على توفير مظلة سياسية تحمي حليفتها من عواصف القرارات الأميركية المفاجئة.
ولا تنظر القيادة الإيرانية إلى بكين مجرد شريك تجاري تقليدي يسد رمق اقتصادها المحاصر بل تعتبرها قوة دولية صاعدة قادرة على فرض إيقاعها، حيث تطمح طهران في الحصول على غطاء دبلوماسي صلب يمكنها من المناورة بثقة أكبر في أروقة السياسة العالمية، خصوصا بعد أن أحدثت العمليات العسكرية الأخيرة صدمة غير مسبوقة في أسواق الطاقة العالمية، مهددة بانقطاع إمدادات النفط الحيوي الذي تعتمد عليه المصانع الآسيوية العملاقة.
وترتبط الدولتان بعلاقات تاريخية توجت بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة لمدة خمسة وعشرين عاما في عام ألفين وواحد وعشرين، لتأسيس تعاون وثيق يغطي قطاعات الطاقة والاقتصاد والبنية التحتية والمجالات الأمنية والعسكرية، إلا أن الصين تبدو حذرة في تفعيل كل بنود هذه الاتفاقية في ظل الظروف الراهنة، مفضلة الموازنة الدقيقة بين دعم حليفها الاستراتيجي وتجنب استفزاز الإدارة الأميركية التي تملك مفاتيح عقوبات قد تضر بالشركات الصينية الكبرى.
وتدرك بكين جيدا أن الانخراط المباشر وغير المحسوب في وحل الصراعات الشرق أوسطية قد يهدد شبكة مصالحها المعقدة والمتنامية، فهي لم تكتف بالاستثمار في طهران بل مدت جسور التعاون والشراكة مع دول الخليج العربي عبر مبادرات اقتصادية ومشاريع تصنيع طموحة، مما يجعلها حريصة على لعب دور الوسيط النزيه الذي يبحث عن التهدئة وتأمين ممرات التجارة العالمية بدلا من الانحياز الفج الذي قد يشعل حرائق اقتصادية بداخلها.
الدبلوماسية الإيرانية والبحث عن مظلة شرقية
وقد عكست التصريحات الرسمية الصادرة عن الجانبين الإيراني والصيني عقب المباحثات الثنائية المكثفة رغبة مشتركة في تجاوز الأطر التقليدية للعلاقات، حيث تسعى الدبلوماسية الإيرانية جاهدة لتوريط بكين بشكل إيجابي في هندسة المشهد الإقليمي لما بعد الحرب، محاولة استنساخ تجارب وساطة سابقة ناجحة لتعزيز الموقف التفاوضي الإيراني، وتوفير بدائل استراتيجية تجعل من المستحيل على واشنطن فرض شروط مجحفة تمس بالسيادة الوطنية أو تصادر الحقوق النووية المكتسبة.
وفي السياق ذاته أوضحت وزارة الخارجية الإيرانية ببياناتها المتتابعة أن جولة عراقجي الآسيوية تندرج ضمن سلسلة مشاورات دبلوماسية رفيعة المستوى، تهدف إلى استعراض التطورات المتلاحقة وتبادل الرؤى حول سبل إرساء أمن إقليمي مستدام لا يقصي أحدا، بينما ركزت الآلة الإعلامية الصينية وفي مقدمتها وكالة شينخوا الرسمية على الأبعاد الاقتصادية الخطيرة للأزمة، مسلطة الضوء على التهديدات الوجودية التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة الذي يمثل عصب التنمية.
وتعتبر الصين في هذا المنعطف التاريخي الحرج المستورد الأول للنفط الخام على مستوى العالم مما يجعلها المتضرر الأكبر من أي خلل، ولذلك حرص وزير الخارجية الإيراني خلال لقائه بنظيره الصيني وانغ يي على تقديم إحاطة شاملة حول تفاصيل المفاوضات الشاقة مع الجانب الأميركي، مؤكدا بشفافية تامة أن بلاده أثبتت قدرتها الرادعة في الدفاع عن أراضيها وفي الوقت نفسه أبدت مرونة دبلوماسية غير مسبوقة لإنهاء النزاع.
وشدد رئيس الدبلوماسية الإيرانية في تصريحات نقلتها وكالة أنباء الطلبة على رفض بلاده القاطع لأي إملاءات خارجية أو أنصاف حلول، مشترطا التوصل إلى اتفاق عادل وشامل وملزم مع واشنطن يضمن رفع العقوبات وعدم تكرار سيناريوهات الحرب، مثمنا في الوقت ذاته الموقف المبدئي الصلب للقيادة الصينية التي لم تتردد في إدانة العدوان العسكري، واصفا إياها بالصديق المخلص الذي يقف بشهامة إلى جانب حلفائه في أوقات المحن الشديدة.
آفاق التنمية والأمن في مرحلة ما بعد الصراع
ولم تقتصر الرسائل الإيرانية على الغرف المغلقة بل امتدت للفضاء الإلكتروني حيث نشر عراقجي تدوينة لافتة عبر منصة إكس، دعا فيها صراحة إلى ضرورة تبني بكين ورعايتها لإطار إقليمي مبتكر وجديد يتناسب مع طبيعة التحديات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحرب، بحيث يرتكز هذا الإطار المقترح على معادلة دقيقة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية الشاملة والضرورات الأمنية الصارمة التي تضمن عدم تفجر الأوضاع الإقليمية مرة أخرى.
ومن جهتها سارعت وزارة الخارجية الصينية إلى التفاعل الإيجابي مع هذه الطروحات مؤكدة في بيان مفصل أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمنعطف مصيري، يتطلب الانتقال الفوري والمخلص من حالة الحرب المدمرة إلى رحاب السلام المستدام، مشددة على أن الوقف الكامل والنهائي للأعمال القتالية يمثل ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل، وأن استئناف دورات العنف أمر مرفوض دوليا بينما تبقى طاولة المفاوضات الخيار الأوحد لحل الخلافات المتراكمة.
ووجهت الدبلوماسية الصينية نداء عاجلا وصارما لكافة الأطراف المتصارعة بضرورة التحلي بأعلى درجات ضبط النفس وتحمل المسؤولية التاريخية، مطالبة بالعمل الفوري على استعادة الحركة الملاحية الطبيعية والآمنة للسفن التجارية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يعتبر شريانا حيويا يغذي الاقتصاد العالمي بأسره، محذرة من أن أي تهاون في تأمين هذا الممر المائي سيعود بالضرر الفادح على جميع القوى الدولية دون استثناء وفي مقدمتها الدول الصناعية الكبرى.
أما فيما يخص العقدة النووية التي شكلت على الدوام حجر العثرة الأبرز في مسار المحادثات بين طهران وواشنطن فقد اختارت الصين مقاربة موضوعية، حيث أعلنت بوضوح تثمينها للالتزام الإيراني المعلن بعدم السعي لتطوير أو امتلاك أسلحة دمار شامل، معترفة في الوقت ذاته وبشكل قاطع بالحق الأصيل والمشروع لإيران في الاستفادة من التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وتوليد الطاقة، مؤكدة استمرارها كشريك استراتيجي موثوق يعتمد عليه في كافة الظروف.
قراءة تحليلية لدوافع التقارب في الخفاء والعلن
وفي محاولة لتفكيك شفرات هذا الحراك الدبلوماسي المكثف وقراءة ما بين السطور يرى الباحث والمحلل السياسي الإيراني إبراهيم شير أن الزيارة، يجب أن توضع في سياقها الزمني المرتبط ارتباطا وثيقا بتعقيدات المشهد التفاوضي البطيء مع الإدارة الأميركية، والتحضيرات اللوجستية والسياسية المواكبة لزيارة ساكن البيت الأبيض المرتقبة إلى العاصمة الصينية، فضلا عن الإدراك الإيراني المتزايد لأهمية إقحام التنين الآسيوي كضامن دولي يحظى بالاحترام لمنع أي تلاعب أميركي مستقبلي.
ويضيف الخبير السياسي في تفنيده للأحداث أن طهران قدمت بالفعل أقصى ما يمكن التنازل عنه سياسيا وعسكريا في جولات الحوار المتعاقبة، ولم يعد في جعبتها المزيد من أوراق المساومة لترضية الجانب الأميركي المتعنت، مما يجعل توقيت اللقاء في بكين استباقيا وذكيا لضمان حضور الملف الإيراني بقوة وتفصيل على طاولة القمة الأميركية الصينية، أملا في أن تستخدم الصين ثقلها الاقتصادي للضغط على واشنطن وتليين مواقفها المتصلبة تجاه العقوبات.
والمثير للانتباه أنه خلال ذروة العمليات العسكرية لم تلعب بكين دورا محوريا مباشرا ولم تطلب طهران منها التدخل العسكري أو السياسي السافر، حفاظا على شعرة معاوية مع الغرب وتجنبا لتوسيع رقعة الصراع لتشمل قوى عظمى، ولكن مع صمت المدافع وبدء ماراثون السياسة تغيرت الحسابات جذريا، حيث بات الإيرانيون على يقين بأن الدبلوماسية الصينية الهادئة قادرة على تحقيق اختراقات جوهرية تعجز عنها القوى الغربية المنحازة بشكل أعمى لتل أبيب.
وتعززت هذه القناعة بعد أن أظهرت القيادة الصينية رغبة حقيقية واستعدادا عمليا لتصدر المشهد كراعية للسلام الإقليمي منذ تعليق العمليات القتالية في مطلع أبريل، مستغلة حالة الإرهاق الاستراتيجي ونفاد البدائل لدى الأطراف المتصارعة، خاصة بعد أن أصيبت مسارات التفاوض التي استضافتها العاصمة الباكستانية بجمود سياسي خانق، وتراجع التأثير الفعلي للقوى الأوروبية التقليدية، مما هيأ المسرح الدولي بالكامل لدخول لاعب صيني يحمل مبادرات طازجة تحظى بقبول مبدئي من الجميع.
مصالح متبادلة تحت مظلة التحولات الجيوسياسية
وبناء على الفهم المشترك لطبيعة الأزمة وتداعياتها الكارثية تلاقت مصالح بكين وطهران بشكل غير مسبوق على ضرورة دفع عجلة المفاوضات المتعثرة للأمام، استنادا إلى رصيد كبير من المصالح الاستراتيجية والمنافع الاقتصادية المتبادلة التي تربط مصير البلدين في مواجهة الهيمنة الغربية، فإيران ترى في السوق الصينية الضخمة شريان حياة ينقذ عملتها واقتصادها من الانهيار الحتمي، بينما تنظر الصين لإيران كعقدة مواصلات وبوابة طاقة لا غنى عنها لمبادرة الحزام والطريق.
ويعتقد صناع القرار في طهران إيمانا راسخا بأن نسج علاقات سياسية متينة وشراكات اقتصادية متشعبة مع العملاق الآسيوي يمثل طوق النجاة الأخير، في حين تدرك الصين التي تتربع على عرش الاقتصاد العالمي أن مكانتها توجب عليها الانخراط الإيجابي لفكفكة أزمات الشرق الأوسط، مستغلة في ذلك شبكة علاقاتها البراغماتية الجيدة مع كل من واشنطن وطهران لترميم جسور الثقة المنهارة، وتعبيد الطريق نحو اتفاق متوازن يحفظ ماء الوجه للجميع.
وفي مفارقة سياسية تعكس تعقيد المشهد الدولي سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الإشادة العلنية وغير المعتادة بمواقف نظيره الصيني المتعقلة تجاه حرب إيران، مؤكدا في تصريحات صحفية أدلى بها من حديقة البيت الأبيض أن هذا الملف الشائك سيحتل صدارة جدول أعمال قمتهما المرتقبة، مبديا إعجابه بالدبلوماسية الصينية الهادئة التي لم تسع إلى تصعيد المواقف أو استغلال الأزمة لتسجيل نقاط سياسية على حساب واشنطن المنشغلة بالانتخابات وتداعيات المعارك.
وواصل الرئيس الأميركي إطلاق الإشارات الإيجابية تجاه بكين معترفا بصراحتها المعهودة بأن الصين تمثل المستورد الأبرز للنفط الإيراني الذي عانى من انقطاعات حادة بسبب العمليات العسكرية، ورغم هذا التضارب الواضح في المصالح أكد ترمب أن الإدارة الصينية تعاملت باحترام بالغ ولم تحاول تحدي الإرادة الأميركية في المنطقة، معربا عن ثقته الكبيرة في نجاح زيارته التاريخية لبكين والتي وصفها بالمهمة للغاية لإعادة ضبط إيقاع العلاقات الثنائية ومنع الانزلاق نحو المجهول.
الاستراتيجية الصينية بين الحذر وتأمين خطوط الطاقة
وعلى الجانب الآخر التزمت الآلة الدبلوماسية الصينية بصمت محسوب وامتنعت طوال أسابيع الحرب عن توجيه أي انتقادات مباشرة وصدامية لسياسات ترمب، في مسعى براغماتي واضح لتهدئة الأجواء وتجنب تعكير صفو القمة الثنائية التي يعول عليها العالم كثيرا، وهو النهج الذي يعكس فلسفة صينية عميقة تفضل الانحناء للعاصفة وعدم التورط في معارك كلامية مجانية، مع التركيز التام على تحقيق المكاسب الاستراتيجية الهادئة بعيدا عن صخب الشاشات وعدسات التصوير المستفزة.
ورغم الرغبة الإيرانية العارمة في استدراج بكين للعب دور الخصم المباشر للسياسات الأميركية إلا أن الصين رسمت منذ الرصاصة الأولى مسارا شديد الحذر، مما ولد شعورا متزايدا بالمرارة لدى الأوساط السياسية في طهران بأن شركاء الشرق وفي مقدمتهم روسيا والصين قد تركوهم وحيدين في الساحة، حيث اكتفت القيادة الصينية بإصدار بيانات إدانة بروتوكولية تصف الضربات بالعدوان غير المبرر المخالف للقانون الدولي دون اتخاذ خطوات عقابية ملموسة ضد المعتدي.
وركزت الدبلوماسية الصينية جهودها على إبراز المخاطر الإنسانية المفجعة والتداعيات الاقتصادية الكارثية الناتجة عن التصعيد العسكري العشوائي في منطقة مكتظة بالصراعات، محذرة بشكل خاص ويومي من السيناريو المرعب المتمثل في إغلاق مضيق هرمز وتأثيره الزلزالي على أسعار النفط، ومكررة دعواتها التقليدية للعودة إلى طاولة الحوار الدبلوماسي واحترام سيادة الدول، وهو موقف رأى فيه المراقبون نهجا كلاسيكيا لا يتناسب مع حجم الشراكة الاستراتيجية المعلنة ولا مع خطورة الحدث المزلزل.
ولكن الخبير في الشؤون الآسيوية تشو شوان يدافع بقوة عن هذه المقاربة العقلانية مؤكدا أن بكين تدرك جيدا الأهمية القصوى لمنطقة الشرق الأوسط كشريان نابض لحركة التجارة وسلاسل الإمداد، وبالتالي فإن أولويتها المطلقة تتركز في إطفاء الحرائق وحماية الاستقرار الإقليمي الذي يخدم مصالح الكوكب بأسره، مع التمسك المبدئي والثابت بدعم الحق الإيراني في حماية سيادته ورفض التدخلات الأجنبية السافرة التي لا تجلب سوى الدمار والفوضى لشعوب المنطقة بأكملها.
ضغوط أميركية ووساطة صينية لفك الحصار
ومع تزايد المؤشرات على اقتراب التسوية بدأت الإدارة الأميركية في توجيه رسائل علنية ومبطنة تحث بكين على استخدام نفوذها الطاغي للضغط على صانع القرار الإيراني، حيث أعرب وزير الخارجية ماركو روبيو عن أمل بلاده القوي في أن تستثمر الصين زيارة عراقجي لتمرير رسالة حازمة بضرورة إنهاء حالة الإغلاق المفروضة على مضيق هرمز، باعتباره ممرا دوليا لا يخضع للمساومات السياسية أو الابتزاز العسكري مهما بلغت ذروة الخلافات بين الدول المتصارعة.
وتماهيا مع هذا التوجه طالب وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بكين بتكثيف جهودها الدبلوماسية لإقناع طهران بفتح الممرات المائية، كاشفا أن الملف سيتصدر مباحثات ترمب وشي الأسبوع القادم للحفاظ على مكتسبات الهدنة التجارية المبرمة أواخر عام ألفين وخمسة وعشرين، وملمحا للتناقض الصيني المتمثل في استيراد النفط الإيراني مما يوفر غطاء ماليا لدولة تصنفها واشنطن كراعية للإرهاب، وهو ما يضع الصين أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها كراع محايد للسلام الدولي.
وبين مطرقة الضغوط الأميركية وسندان الشراكة الإيرانية تقف الصين في موقف لا تحسد عليه محاولة النجاة بسفينتها الاقتصادية وسط الأمواج العاتية، فمن جهة تسعى بصدق لتعزيز حضورها الجيوسياسي كقوة عظمى بديلة وموثوقة تقود تكتلات واعدة مثل البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومن جهة أخرى تخشى من أن يؤدي احتضانها المبالغ فيه لطهران إلى انهيار مفاوضاتها التجارية الدقيقة مع واشنطن، مما قد يعرض صادراتها التكنولوجية لعقوبات أميركية قاصمة وموجعة للغاية.
وتشير التسريبات الواردة من دوائر صنع القرار في بكين إلى وجود انقسام صامت حول المنهجية المثلى للتعامل مع هذا المستنقع المعقد، فبينما يرى تيار مصلحي أن الأزمة الإيرانية تمنح المفاوض الصيني أوراق ضغط ثمينة لابتزاز إدارة ترمب في ملفات أخرى كالتعريفات الجمركية، يفضل تيار آخر أكثر حذرا النأي بالنفس عن تفاصيل الصراع العسكري والتركيز الحصري على جهود الوساطة الإنسانية وإعادة الإعمار، لحماية علاقات الصين المتشعبة مع العواصم الخليجية الثرية.
وفي المحصلة النهائية يبدو المشهد الإقليمي مقبلا على تحولات دراماتيكية تعيد صياغة التحالفات التقليدية من جذورها العميقة، فالصين التي ساهمت سابقا في إعادة طهران لطاولة التفاوض مرشحة اليوم بقوة للعب دور الضامن الأكبر لأي تسوية شاملة، شريطة أن تنجح في ترويض المخاوف الإيرانية من التراجع الأميركي، وتتمكن في الوقت ذاته من إقناع واشنطن بأن استقرار الشرق الأوسط يتحقق عبر الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة للجميع دون اللجوء لأسلحة التدمير.

