في تصعيد غير مسبوق يضرب القطاع المالي اليمني، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) قراراً بفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على بنك اليمن الدولي (IBY)، إحدى المؤسسات المصرفية التجارية الكبرى في البلاد. ويأتي هذا الإجراء في سياق الجهود الأمريكية المتواصلة لقطع مصادر تمويل جماعة الحوثيين، حيث يُتهم البنك — المملوك لمجموعة رجل الأعمال الراحل شاهر عبد الحق — بتقديم دعم مالي وتسهيلات مصرفية مباشرة للجماعة المسلحة، ما يساهم في إطالة أمد الصراع وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وقد شملت العقوبات — التي تندرج ضمن إطار السياسة الأمريكية الرامية إلى تجفيف منابع تمويل الجماعات المُصنّفة إرهابية — كوكبة من كبار المسؤولين التنفيذيين في البنك، وعلى رأسهم كمال حسين الجبري، وأحمد ثابت نعمان العبسي، وعبد القادر علي بازرعة، وذلك بتهمة تسهيل تحويلات مالية وإدارة أصول بما يخدم مصالح الحوثيين.
أزمة سيولة وتجميد أصول
ترتبت على هذه العقوبات تداعيات مباشرة على العمليات المصرفية للبنك، إذ أدت إلى تجميد أصوله وأمواله في الولايات المتحدة وفصله عن النظام المالي العالمي عبر شبكة SWIFT، ما تسبب في أزمة سيولة حادة أصابت المودعين بالقلق وتعطّلت على إثرها التحويلات الدولية للبنك. ويُعد هذا الإجراء ضربة قاصمة للقطاع المصرفي اليمني الذي يعاني أصلاً من تدهور اقتصادي حاد وتشرذم بين سلطتين متنافستين.
وثائق “إبستين” تكشف علاقات مشبوهة
في سياق متصل، كشفت وثائق رُفع عنها السرية في عام 2026 بموجب قانون شفافية ملفات جيفري إبستين — المدان بجرائم جنائية واتجار بالبشر — عن وجود مراسلات وارتباطات بين الملياردير اليمني الراحل شاهر عبد الحق وإبستين. وتشير رسالة إلكترونية بتاريخ 27 فبراير 2015 إلى أن عبد الحق وجّه الشكر لإبستين على “مساعدته” في أمر لم تُكشف تفاصيله بالكامل، ما يُرجح وجود شبكة نفوذ مشتركة بين الرجلين في الدوائر المخملية العالمية. وتعزز هذه التقارير صوراً متداولة تظهر عبد الحق إلى جانب إبستين في جلسات خاصة، مما يُلقي بظلال من الشك حول طبيعة العلاقات التي كان يُديرها “ملك السكر” خارج حدود اليمن.
جريمة لندن: مقتل مارتين فيك ماجنوسن وفرار فاروق عبد الحق
لا تقتصر الفضائح المُلاحقة لعائلة عبد الحق على الملف المالي والعقوبات الأمريكية، بل تمتد إلى قضية جنائية دولية ما زالت عالقة منذ عام 2008. ففي مارس من ذلك العام، عُثر على جثة الطالبة النرويجية مارتين فيك ماجنوسن في قبو مبنى سكني بلندن، بعد سهرة جمعتها بفاروق عبد الحق، نجل شاهر عبد الحق.
وفي تطور مثير للجدل، فرّ فاروق من بريطانيا إلى اليمن عبر مصر مستخدماً طائرة والده الخاصة، وذلك قبل ساعات من اكتشاف الجثة. واعتبر الادعاء البريطاني أن عملية الهروب تمت بتسهيل من نفوذ والده المالي والسياسي، ما جعل القضية رمزاً للإفلات من العقاب.
ورغم المحاولات الدبلوماسية والقانونية البريطانية والنرويجية المستمرة على مدى سنوات، ترفض السلطات في صنعاء تسليم فاروق بحجة عدم وجود اتفاقية تبادل للمجرمين مع المملكة المتحدة. وفي تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها في وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) خلال العامين 2025-2026، اعترف فاروق بأن ما حدث كان “حادثاً مأساوياً” وقع تحت تأثير المخدرات، غير أنه يصرّ على رفض العودة إلى بريطانيا لمواجهة المحاكمة.
الحوثيون والتمويل: رجل “عابر للخطوط”
تاريخياً، كان شاهر عبد الحق مقرباً من نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، استطاعت مجموعته التجارية الحفاظ على نفوذها وتمددها. وتشير تحقيقات صحفية — من بينها أوراق بنما — إلى أن شركات عبد الحق في قطاع الاتصالات والتجارة ظلت تعمل تحت مظلة سلطة الأمر الواقع في صنعاء، ما جعلها مصدراً غير مباشر لتمويل المجهود الحربي عبر الضرائب والرسوم والخدمات البنكية.
وقد اكتسب عبد الحق لقب “رجل عابر للخطوط” نظراً لقدرته على التنقل والتجارة بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق الشرعية والتحالف العربي، حتى رحيله عن الحياة في أكتوبر 2020 في ألمانيا إثر إصابته بمرض السرطان.
مشهد حالي مليء بالتحديات
اليوم، تواجه عائلة عبد الحق ومجموعتها التجارية ضغوطاً غير مسبوقة: فبينما يتهاوى بنك اليمن الدولي تحت وطأة العقوبات الأمريكية، تستمر ملاحقة فاروق دولياً، وتتكشف أدلة جديدة تربط الأب بشبكات مشبوهة عابرة للقارات. ومع تولي أفراد العائلة إدارة الإرث التجاري والتحديات القانونية والمالية المتراكمة، يبدو أن اسم عبد الحق سيظل حاضراً في عناوين الأخبار الدولية لوقت غير قصير.

