– الرئيس السيسي يبعث رسائل طمأنة من الأكاديمية العسكرية بشأن استقرار الدولة وتحسن المؤشرات الاقتصادية.
– تشديد رئاسي على تطوير التعليم كمدخل أساسي لبناء الإنسان المصري.
– التقييم الرقمي العادل دون تدخل بشري ركيزة إصلاح التعليم وضمان تكافؤ الفرص.
ليست جميع الزيارات الرسمية متشابهة، فبعضها يتجاوز حدود البروتوكول، ليحمل رسائل أعمق تفيد الوعي العام، قبل أن تُسجل في الأخبار، وقد بدت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الأكاديمية العسكرية، كزيارة تتجاوز مجرد متابعة مؤسسة تعليمية أو عسكرية، لتكون بمثابة رسالة طمأنة مباشرة إلى المصريين في لحظة بالغة التعقيد إقليمياً ودولياً.
رسالة الرئيس من الأكاديمية العسكرية
عندما تحدث الرئيس من داخل مؤسسة تجسد الانضباط والصرامة وبناء الإنسان قبل السلاح، اختار أن يرسل رسالة واضحة لا تحتمل اللبس: الوضع الداخلي مستقر، والاقتصاد في طريقه للتحسن، وفرص الاستثمار قائمة وتزداد قوة، لم تكن كلماته معقدة أو إنشائية، بل جاءت هادئة وملؤها الثقة، تحمل نبرة شخص يدرك حجم التحديات، لكنه في نفس الوقت يرى الصورة الكاملة، وكان حديثه أقرب إلى حديث مسؤول يصارح شعبه، فلا يعد بمستحيلات، ولا ينكر صعوبة الطريق، ولكنه يؤكد أن الدولة لم تفقد بوصلتها، وأن الإصلاحات الاقتصادية بدأت تظهر ثمارها، خصوصاً في مجال جذب الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.
التعليم كأولوية للدولة
لكن اللافت في الزيارة لم يكن فقط التركيز على الجانب الاقتصادي، بل كان التركيز الواضح على التعليم، باعتباره المعركة الحقيقية للدولة، حيث أكد الرئيس أن الجهد القائم داخل الأكاديمية العسكرية ليس مجرد هدف لتخريج دفعات جديدة فحسب، بل لتقديم نموذج يحتذى به لجدارة التعليم الحقيقي الذي تحتاجه مصر، وهو نموذج يقوم على الانضباط والشفافية والعدالة، ويعيد الاعتبار لفكرة التقييم الموضوعي.
نظام التقييم الرقمي
عند حديث الرئيس عن نظام التقييم الرقمي، الخالي من التدخل البشري أو المجاملة، بدا أنه يضع إصبعه على جرح مزمن في منظومة التعليم المصرية، إذ إن المشكلة لم تكن يوماً في نقص العقول أو ضعف الإمكانات، بقدر ما كانت في غياب معايير عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتفرز الكفاءات الحقيقية، وفي هذا السياق، جاءت الإشارة المهمة إلى أن الوزارات المختصة، مثل المالية أو النقل، هي التي تقوم بوضع البرامج والمناهج الفنية للدارسين داخل الأكاديمية، في حين يقتصر دور الأكاديمية على توفير البيئة التعليمية والمعايير ومسار الدراسة، دون التدخل في المحتوى الفني.
فصل الإدارة عن التخصص
هذه الفكرة، وإن بدت إجرائية، إلا أنها تعكس فلسفة أعمق، وهي فصل الإدارة عن التخصص، وضمان أن يكون المحتوى نابعاً من احتياجات الدولة الفعلية، لا من اجتهادات بيروقراطية، ولم يخف الرئيس رغبته الصريحة في إحداث تغيير حقيقي يتجاوز الشكل إلى الجوهر، وعند حديثه عن التوأمة مع الجامعات الأوروبية والعالمية، لم يطرحها كشعار، بل كتجربة خاضتها الدولة بالفعل، نجحت في بعض الأحيان وتعثرت في أحيان أخرى، والأهم هنا هو الاعتراف بأن المراجعة الذاتية كشفت أن بعض الجامعات لم تحقق الأهداف المطلوبة لتطوير الدولة، وهي مصارحة نادرة في ملف اعتاد المجاملات.
رسائل ذات دلالة عميقة
ولاحظ الجميع في هذه الزيارة ليس فقط مضمون الرسائل، بل توقيتها، نحن نعيش مرحلة تختلط فيها القلق المشروع بالتهويل المقصود، وتتعرض فيها المجتمعات لاختبارات نفسية لا تقل قسوة عن الاختبارات الاقتصادية، ومن هنا، بدا ظهور الرئيس في الأكاديمية العسكرية اختياراً واعياً للمكان والرمز، فالمؤسسات القوية لا تستخدم للزينة، بل عندما يكون المطلوب تثبيت المعنى قبل تثبيت المعلومة، كان حديثه عن تحسن الاقتصاد وفرص الاستثمار مرتبطاً بسياق دولة تتحرك، تتعرض للألم أحياناً، لكنها لا تتوقف، وكانت الرسالة واضحة: نعم، الطريق صعب، لكن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل برؤية طويلة النفس، تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، وعندما تطمئن الناس، لأن الاطمئنان في ذاته عنصر من عناصر الاستقرار.
الرهانات الكبيرة للدولة
وهناك البعد الأعمق الذي يظل حاضراً في وعي من يتابع المشهد عن قرب: رهان الدولة على التعليم الجاد لا الشكلي، عندما يتحدث الرئيس عن التعليم داخل الأكاديمية كنموذج، فهو لا يقصد مؤسسة بعينها، بل يطرح سؤالاً ضمنياً على جميع مؤسساتنا التعليمية: هل نحن نخرج طلاباً أم نبني عقولاً؟ هل نكتفي بالشهادات أم ننتج كفاءات قادرة على المنافسة عالمياً؟ حديثه عن الرقمنة والتقييم العادل، وعن التوأمة مع الجامعات العالمية، لا يبدو ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لدولة تسعى لحجز مكان لها في عالم لا يعترف إلا بالجودة، وربما كانت أهم جملة غير مباشرة في هذا السياق، هي الاعتراف بأن بعض التجارب لم تنجح، فالدول القوية لا تخشى الاعتراف، لأنها تعتبره أول خطوات التصحيح، لا علامة ضعف.
ختام الزيارة
إن زيارة الرئيس السيسي للأكاديمية العسكرية كانت زيارة تحمل العديد من الرسائل، رسالة طمأنينة في الشأن الاقتصادي، ورسالة ثقة في استقرار الدولة، ورسالة حاسمة بأن التعليم بكافة أشكاله هو سلاح مصر الحقيقي في معركة المستقبل، تشير الزيارة إلى أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المشروعات، وأن الدولة التي تسعى للصمود يجب أن تستثمر في عقول أبنائها قبل أي شيء آخر.

