أُسدلت، صباح الأربعاء 4 فبراير 2026، ستارة عمرٍ طويلٍ على الشاعرة الغنائية والإعلامية السعودية ثريا قابل، التي رحلت من أحد مستشفيات جدة بعد معاناة مع المرض، وكأن النهاية اختارت لها مقاماً يليق بسيرةٍ كانت تُحسن الإصغاء لنبض الناس ثم تعيده أغنيةً تمشي على ألسنة العشّاق.
ثريا قابل: أكثر من مجرد رحيل
لم تكن ثريا قابلةً لرحيلٍ عابر، فهي من الأسماء التي إذا غابت، بَدا الفراغ في النصّ قبل أن يبدو في المشهد، لأنّها كانت “ركن الكلمة” لا زينتها، وواحدةً من أعمدة المفردة الحجازية، التي منحَت الأغنية السعودية نكهتها الدافئة، بسيطة في ظاهرها، عميقة في قاعها، قادرة على إنهاء جدلٍ طويلاً بكلمة واحدة صادقة. وُلدت في جدة القديمة عام 1940، في حارة المظلوم، التي ظلّت عندها أكثر من جغرافيا؛ كانت مدرسة حسٍّ أولى، تُربي الأذن على إيقاع الرواشين والحواري، وتدرب القلب على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع الشعر لاحقاً.
البداية مع اللغة والتعلم
هناك بدأت علاقتها الأولى باللغة، ثم مضت في التكوين والتعليم، وصولاً إلى الكلية الأهلية في بيروت، ومن بيروت تحديداً خرجت إلى العالم بملامح امرأةٍ تعرف أن الكتابة مسؤولية مواجهة، لا زينة حضور.
ديوان “الأوزان الباكية” وإنجازات أخرى
في عام 1963، أصدرت ديوانها الأشهر “الأوزان الباكية”، بوصفه حدثاً تأسيسياً، لا مجرد كتاب، فهو يُعتبر أول ديوانٍ نسائي سعودي فصيح يُطبع ويصدر باسم مؤلفته، في زمن كانت تُخفى فيه الأسماء خوفاً أو احتياطاً، لكن ثريا لم تتراجع، بل فعلت ما يفعله الكبار عادةً، نقلت المعركة من هامش المجتمع إلى صميم النص، وواصلت العمل في الإعلام بوصفه امتداداً طبيعياً للشعر؛ دخلت الصحافة بدافعٍ وصفته بأنه دفاع عن حقوق المرأة وإيصال مطالبها، وبدأت من تفاصيل المجتمع والمرأة والأسرة، وأشرفت على تحرير صفحة نسائية في “البلاد” بعنوان “النصف الحلو.” ثم انتقلت إلى “عكاظ”، وكتبت في “قريش” المكية و”الأنوار” اللبنانية في حقبة الستينات، وحررت زاوية سمّتها “حواء كما يريدها آدم”، وصولاً إلى تأسيس مجلة “زينة” وتولي رئاسة تحريرها بين 1986 و1987.
الأغنية: الإرث الأبدي
بالرغم من مكانتها الإعلامية، فإن ذاكرة الناس – وغالباً ذاكرة الفن – تحتفظ بما يلامسها أولاً: الأغنية. هنا، كانت ثريا قابل في موقعٍ لا يزاحمها فيه كثيرون، فهي من “مدّ” الأغنية السعودية بالشعر الغنائي القائم على المفردة الحجازية، وصنعت توأمةً فنيةً لامعة مع الراحل فوزي محسون، وكانت تمتلك القدرة على استعادة تلك الثنائية لتفسير لماذا بقيت الأغنية السعودية قادرة على العيش خارج عمر أصحابها، ومن أعمالهما معاً: “عهد الهوى”، و”من بعد مزح ولعب”، و”لا لا وربي” التي غناها محمد عبده، و”جاني الأسمر” لعتاب، بينما امتدت كلماتها إلى أصواتٍ كبرى أخرى؛ إذ غنّى لها طلال مداح منذ البدايات، وغنّى محمد عبده، وترددت مفردتها عبر أهرام الغناء السعودي، حتى غدت قصيدتها – في كثير من الحالات – أقرب إلى “حالة” تُلتقط وتُكثّف، لا إلى حكاية تُسرد، وكانت تصف منهجها بأنها لا تكتب قصة، بل ترصد موقفاً بعد أن تُخزن التجربة في الداخل.
رحيلٌ يعكس الفقدان
لذلك، لا يبدو رحيل ثريا قابل مجرد خبر وفاة؛ بل يشبه إغلاق نافذةٍ قديمة على جدة وعلى زمنٍ كان يصدق فتنبت منه الأغنيات. ومع ذلك، تبقى النافذة مفتوحة على نحوٍ آخر: في كل مرة تُسمع فيها أغنية تحمل مفردتها الحجازية الصافية، سنفهم أن بعض الشعراء لا يرحلون كاملين؛ بل يتركون جزءاً منهم في اللحن، كي لا تنسى الذاكرة طريقها إلى القلب.

