شكّلت أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة محورًا رئيسيًا للجدل العالمي، حيث تضاربت التوقعات بين مؤسسات دولية وبنوك استثمار كبرى، وبين واقع السوق الفعلي المرتبط بنمو الطلب والعوامل الجيوسياسية، مما يثير تساؤلات حول سيناريوهات 2026 الحقيقية.
وفي هذا الإطار، أشار مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إلى أن الحديث عن انهيار وشيك في السوق يفتقر إلى الأسس الواقعية، مضيفًا أن المؤشرات الأساسية لا تدعم السيناريو المتداول حول الفائض الضخم المروج إعلاميًا.
كما أوضح أن أسعار النفط لطالما كانت مرتبطة بالتوقعات النفسية بقدر ارتباطها بالأرقام، مشيرًا إلى أن التجربة الأخيرة في 2025 أثبتت فشل العديد من النماذج التحليلية التي اعتمدتها مؤسسات كبرى، والتي تجاهلت سلوك السوق الفعلي.
وبيّن أن الأسواق شهدت توقعات سابقًا بانخفاض خام برنت إلى مستويات الخمسينيات، وخام غرب تكساس إلى الأربعينيات، إلا أن هذه السيناريوهات لم تتحقق، مما عزز الشكوك حول مصداقية تقديرات الفائض المتداولة في الوقت الحالي.
جاءت هذه التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج “أنسيات الطاقة”، قدمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي “إكس” بعنوان: “النفط بين رمضان والحج والصيف والانتخابات الأمريكية: هل ترتفع الأسعار؟”.
مزاعم الفائض العالمي في 2026
قال أنس الحجي إن أسعار النفط في 2026 تُستخدم كوسيلة ضغط نفسي عبر ترويج فكرة وجود فائض تاريخي، رغم عدم وجود ركود اقتصادي عالمي أو أزمات استثنائية، مؤكدًا أن الطلب العالمي ما زال ينمو بوتيرة مستقرة.
وأوضح أن وكالة الطاقة الدولية تحدثت عن أكبر فائض في التاريخ، وهو توصيف يختلف عن الواقع، خاصة أن العالم لا يعيش ظروف جائحة أو إغلاقات، بل يشهد توسعًا في الاستهلاك الصناعي والنقل والطيران.
وأكد أن أسعار النفط تأثرت سابقًا بتوقعات مشابهة في 2025، حين جرى الحديث عن فائض قدره 1.8 مليون برميل يوميًا، لكن السوق أثبتت عكس ذلك، مما يعكس خللًا جوهريًا في نماذج العرض والطلب المستخدمة.
ولفت أنس الحجي إلى أن الحديث عن “النفط على الماء” وتضخم الشحنات البحرية استخدم لتبرير سيناريو الانهيار، لكن الحسابات الفعلية للمخزونات أظهرت أن الأرقام المتداولة كانت مضللة وغير دقيقة.
وأضاف أن أسعار النفط لم تشهد انهيارًا على الرغم من الضخ الإعلامي المكثف، لأن الأساسيات كانت أقوى من التوقعات، معتبرًا أن ما يُروج له اليوم يعيد إنتاج الأخطاء نفسها مع تغيير التوقيت فقط.
وأشار إلى أن الفائض الحقيقي الذي يظهر عادة يكون موسميًا في الربع الأول، نتيجة انخفاض الطلب على المشتقات وصيانة المصافي، وهو أمر متكرر وطبيعي ولا يمكن اعتباره فائضًا هيكليًا.
وشدد على أن تصوير هذا الفائض الموسمي على أنه تاريخي يخدم أجندات محددة، ولا يعكس توازنات السوق، مؤكدًا أن القراءة الانتقائية للبيانات هي أصل المشكلة في تقديرات المؤسسات الدولية.
قازاخستان وأوبك وقلب المعادلة
قال أنس الحجي إن أسعار النفط تأثرت مؤخرًا بتطورات غير متوقعة في إمدادات قازاخستان، موضحًا أن الانخفاض الكبير في الإنتاج والصادرات شكل صدمة حقيقية للأسواق وأربك حسابات الفائض المزعوم.
وبيّن أن النفط القازاخستاني يعتمد كليًا تقريبًا على ميناء “سي بي سي” (CPC) عبر الأراضي الروسية، ومع أي اضطراب أمني أو تقني في هذا المسار تتأثر الإمدادات العالمية فورًا، خاصة المتجهة إلى أوروبا.
وذكر أن أسعار النفط تفاعلت مع استهداف الميناء والمنشآت المرتبطة به، إضافة إلى ضرب ناقلات متجهة لتحميل النفط القازاخستاني، مما أدى إلى تراجع الصادرات بأكثر من اتجاه في نفس الوقت.
وأكد أن اتهام أوكرانيا بتلك العمليات يفتقر إلى المنطق، لأن خفض صادرات قازاخستان لا يخدم مصالحها، بل يصب عمليًا في مصلحة روسيا، مما يثير علامات استفهام حول المستفيد الحقيقي.
وأضاف أن أسعار النفط لا يمكن فصلها عن هذه التطورات، لأن أوروبا، التي لا تستورد النفط الروسي، تعتمد جزئيًا على الإمدادات القازاخستانية عبر الميناء الروسي نفسه، مما يزيد من حساسية السوق.
وبيّن أن هذا الوضع يضع تقديرات وكالة الطاقة الدولية والبنوك في مأزق، لأن الفائض المفترض يتآكل بفعل اضطرابات الإمدادات، في وقت ترى فيه أوبك أن الفائض الموسمي قد انتهى بالفعل.
واختتم أنس الحجي تصريحاته بالتأكيد على أن أسعار النفط في 2026 ستظل رهينة التوازنات الفعلية لا السرديات الإعلامية، مشددًا على أن السوق اليوم أقرب إلى الشح وعدم اليقين من سيناريو الفائض التاريخي المزعوم.
موضوعات متعلقة..
اقرأ أيضًا..
المصدر..

