التخطي إلى المحتوى
دعائم المعرفة تتجسد في دار التوحيد كمركز تعليمي رائد

الجمعة والسبت 18 / 19 شعبان 1447هـ – 6 / 7 فبراير 2026م

المملكة… حيث ينطق الحجر بتاريخ لا يغيب

دار التوحيد نواة العلم

في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع، تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، فهي موطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات.

تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ.

الطائف.. انطلاقة التعليم المنظم

في طائف الورد، وغيمة الود، وجبال سقاها شموخ يعتد، تقع محافظة الطائف، حيث اعتادت الأفكار أن تُزهر مبكرًا، بزغت مدرسة دار التوحيد كأول مدرسة نظامية متخصصة في تدريس العلوم الشرعية وعلوم العربية في المملكة، فتخطت تلك الخطوة مجرد تدشين لبناء تعليمي، لتصبح ولادة لفكر جديد يُعيد ترتيب العلاقة بين الطالب والمعرفة، ويجعل من الطائف منارة تعليمية تُضيء للمملكة طريق المستقبل، عبر تعليم يُخاطب العقل، ويحفظ الأصالة، ويواكب التحول.

تم اختيار الطائف لموقعها الجغرافي، واعتدال مناخها، وقربها من الحجاز ونجد، ما جعلها بيئة مثالية لتجمّع العلماء والطلاب، وفي تلك اللحظة التاريخية، كانت المملكة تُمهّد لمسار التعليم، وتبحث عن صيغة تجمع بين المرجعية التعليمية والانضباط المؤسسي، وتخرج من دائرة الكتاتيب إلى دائرة التعليم المؤسسي وفق ممارسة تجسد الطموح وتحقق الأثر.

التأسيس الملكي والرؤية المبكرة

أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه- بتأسيس دار التوحيد عام 1364هـ، فجاءت هذه المبادرة في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى إعداد الكفاءات العلمية ضمن إطار منظم وممنهج، يضمن اتساق التعليم مع توجهات الدولة الناشئة، وتصحيح مسار الجزيرة العربية بعد أن طالها الشتات والفرقة والجهل.

أسست المدرسة وفق رؤية واعية تهدف إلى بناء نواة قوية من العلماء والكوادر القادرة على تولي مناصب القضاء والإفتاء والتعليم، وقد وُضعت لها مناهج علمية تجمع بين المتون التقليدية ومهارات التفكير والبحث، فكانت تمثل نقلة نوعية في مفهوم التعليم، وبتلك الرؤية المباركة للملك المؤسس، تم إيقاف نزيف الجهل إلى الأبد في قلب الجزيرة العربية، وخرج التعليم النظامي حاملاً لواء المعرفة، ومؤسسًا لحقبة تعليمية جديرة بالبقاء.

بوابة القادة

أثمرت هذه المدرسة تخريج دفعات من الشخصيات البارزة الذين تقلدوا مناصب رفيعة في الدولة، خاصة في القضاء والإفتاء والتعليم، وتمثلوا أبناءً لدار التوحيد وفاءً وعرفاناً للمؤسسة، وتركت خريجي المدرسة أثرًا عميقًا في صياغة الهوية الثقافية والدينية للمملكة، وأسهموا في تعزيز الخطاب الوسطي المتزن، ونشر الوعي القانوني والشرعي، وقد بقي حضورهم في الذاكرة الوطنية حيًّا كأولئك الذين حملوا شعلة التعليم الحديث في العلوم الشرعية والعربية.

منبر العلماء ورواد الفكر

أبرز ما ميّز دار التوحيد أنها اجتذبت منذ بداياتها صفوة العلماء ورواد المعرفة والقادة، فتوافد عليها قامات علمية مميزة لتكون دار التوحيد خطوة في رحلتهم نحو مناصب عليا في الدولة، مثل الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ، ورئيس مجلس الشورى الشيخ محمد بن جبير، والشيخ عبدالله بن سليمان الخليفي، والأديب عبدالله بن خميس، والشيخ عبدالعزيز المسند، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن آل الشيخ، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ عبدالرحمن بن عبدالله المنيع، وغيرهم من العلماء والأدباء الذين ساهموا في صياغة الفكر الإسلامي والأدب السعودي، وساهموا في النهضة الشاملة لهذا الوطن.

كانت دار التوحيد بسيطة، لكن عقول الطلبة كانت تفيض بالحكمة، فأُعطي الطلاب فرصة حقيقية لتطوير أدواتهم العقلية، وتدريب ألسنتهم على الخطابة، وأذهانهم على المناظرة، وأرواحهم على الانضباط، فكان طالب دار التوحيد يعيش ضمن بيئة معرفية مكثفة، تُربّي فيه روح الانتماء للعلم، وتمنحه الثقة ليكون أحد أعمدة الدولة لاحقًا.

استعادة الذاكرة الوطنية

في عام 1441هـ، خضعت المدرسة لعملية ترميم شاملة ضمن برنامج العناية بالتراث الثقافي الوطني، لإعادة توظيف المبنى كمركز ثقافي يعكس بدايات التعليم النظامي في المملكة، وأُعيد تأهيل المبنى بوسائل حديثة تحافظ على طابعه الأصيل، لتصبح دار التوحيد بمثابة متحف حي، تعرض جدرانه القصة الكاملة لبزوغ التعليم المنظم في السعودية من خلال الوثائق والصور والكتب والمخطوطات، التي تحول الماضي إلى ذاكرة بصرية وتربوية.

معلم حضاري

يشكّل مبنى دار التوحيد اليوم أحد أبرز المواقع التراثية المعتمدة في سجل هيئة التراث، وتحول إلى نقطة جذب معرفي وسياحي، تستضيف الزوار من مختلف الفئات، ولم يعد الموقع مجرد شاهد على الماضي، بل أصبح منصّة لمعارض فكرية، ومناسبات ثقافية، وندوات تعليمية، تربط الأجيال الجديدة بجذورها الأولى، ومع رؤية السعودية 2030، اكتسبت مثل هذه المعالم بعدًا استراتيجيًا، حيث يتقاطع التراث الثقافي مع أهداف التنمية المستدامة.

ختاماً، تعد مدرسة دار التوحيد شاهدًا على البدايات الصعبة والخطوات الملهمة والرؤية الطموحة، والتقدم الذي طالما سعت المملكة العربية السعودية لتحقيقه، وما زالت المملكة بكل مناطقها زاخرة بالشواهد، سخية بالتراث، عامرة بالأمجاد.

اعداد: رياض عبدالله الحريري