التخطي إلى المحتوى
تراجع الاستثمارات في السيارات الكهربائية عالمياً يثير التساؤلات وسط فوضى حروب الأسعار الصينية

تواجه شركات صناعة السيارات العالمية خسائر تقدر بنحو 55 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، وذلك في واحدة من أشد الأزمات التي يمر بها القطاع منذ عدة سنوات، نتيجة تراجع التوقعات بشأن السيارات الكهربائية، وتزايد الضغوط الاقتصادية في الأسواق الكبرى، بالإضافة إلى حروب الأسعار التي تقودها الشركات الصينية، وتكشف هذه الخسائر عن مرحلة انتقالية صعبة يمر بها قطاع السيارات العالمي، حيث تعيد الشركات تقييم استراتيجياتها التي بُنيت خلال السنوات الماضية على افتراض تسارع التحول نحو التنقل الكهربائي بشكل أسرع مما تحقق فعليًا.

تباطؤ أميركي ومنافسة صينية تعيدان رسم المشهد

جاءت هذه الخسائر نتيجة مزيج معقد من العوامل، أبرزها: تباطؤ السوق الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، مع تراجع الحوافز والدعم غير المباشر للسيارات الكهربائية. اشتداد المنافسة السعرية في الصين، أكبر سوق سيارات في العالم، حيث دفعت التخفيضات الحادة إلى تآكل هوامش الأرباح. تشظّي الطلب الأوروبي بين السيارات الكهربائية والهجينة ومحركات الاحتراق الداخلي، ما أربك خطط الإنتاج والاستثمار لدى الشركات التقليدية، وأدى هذا الواقع إلى ضغوط مزدوجة على صانعي السيارات: ارتفاع التكاليف من جهة، وتراجع القدرة على تمرير الأسعار للمستهلك من جهة أخرى.

ستيلانتيس تنضم إلى قائمة الخاسرين الكبار

انضمت ستيلانتيس، المالكة لعلامات بارزة مثل جيب وفيات وبيجو وألفا روميو، إلى قائمة الشركات الأكثر تضررًا، بعد إعلانها تسجيل خسائر بقيمة 22.2 مليار يورو (حوالي 26.5 مليار دولار) في النصف الثاني من عام 2025، وأدى الإعلان إلى هبوط سهم ستيلانتيس بأكثر من 20% في يوم واحد، ليسجل أدنى مستوياته منذ ست سنوات، في إشارة واضحة إلى قلق المستثمرين من آفاق الشركة في المرحلة المقبلة.

«المبالغة في تقدير وتيرة التحول»

قال أنطونيو فيلوسا، الرئيس التنفيذي لشركة ستيلانتيس، إن هذه الخسائر تمثل كلفة المبالغة في تقدير سرعة التحول في قطاع الطاقة، في تصريح يعكس موقفًا مشابهًا لما أعلنت عنه شركات منافسة كبرى مثل فورد وجنرال موتورز وفولكس فاجن، كما تواجه شركات السيارات التقليدية صعوبة متزايدة في مجاراة الوافدين الجدد، خصوصًا من الصين، مشيرًا إلى أن الطموحات المرتفعة للسيارات الكهربائية في أوروبا بدأت تتراجع، وبشكل أوضح في الولايات المتحدة، التي تُعد سوقًا محورية شهدت تباطؤًا ملحوظًا في الطلب على المركبات الكهربائية.

خسائر وإعادات هيكلة.. مشهد عالمي مضطرب

أعلنت الشركة الفرنسية–الإيطالية تنفيذ أكبر عملية شطب أصول في تاريخها، نتيجة إعادة هيكلة تشكيلة منتجاتها لتتلاءم مع تغير تفضيلات المستهلكين ولوائح الانبعاثات الجديدة في الولايات المتحدة، وتشمل العملية مدفوعات تقارب 6.5 مليار يورو، من المقرر سدادها على مدى أربع سنوات، في إطار إعادة توجيه الاستثمارات نحو الطرازات الأكثر طلبًا وربحية.

فورد موتورز

أعلنت شركة فورد، ومقرها ديربورن في ولاية ميشيغان، في ديسمبر الماضي، أنها ستسجل شطب أصول بقيمة 19.5 مليار دولار، بالتزامن مع قرار إيقاف إنتاج عدد من الطرازات الكهربائية، والتركيز بشكل أكبر على السيارات العاملة بالبنزين والطرازات الهجينة، وتعكس هذه الخطوة تحولًا استراتيجيًا نحو نماذج أقل مخاطرة في ظل تباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية.

جنرال موتورز

كشفت جنرال موتورز، أكبر شركة سيارات في الولايات المتحدة من حيث المبيعات، في يناير الثاني، عن تكلفة قدرها 6 مليارات دولار للتخارج من بعض استثماراتها في السيارات الكهربائية، وتشمل هذه التكاليف 4.2 مليار دولار مدفوعات نقدية مرتبطة بإلغاء عقود وتسويات مع موردين، في خطوة تهدف إلى تقليص الالتزامات طويلة الأجل.

فولكس فاجن – بورش

بدورها، أعلنت فولكس فاجن، أكبر صانعة سيارات في أوروبا، في سبتمبر الماضي، أنها ستتكبد خسائر بنحو 5.1 مليار يورو (حوالي 6 مليارات دولار) نتيجة إعادة هيكلة واسعة في وحدة بورش، وقد أدت هذه العملية إلى تأجيل إطلاق عدد من الطرازات الكهربائية، مع إعطاء أولوية أكبر للسيارات الهجينة ومحركات الاحتراق الداخلي في المرحلة الحالية.

مرحلة إعادة تقييم شاملة لصناعة السيارات

تعكس هذه الخسائر المتراكمة دخول صناعة السيارات العالمية مرحلة إعادة تقييم شاملة، تقوم فيها الشركات بمراجعة رهاناتها على التحول الكهربائي، والبحث عن توازن أكثر واقعية بين الطموحات البيئية ومتطلبات السوق والربحية، ويرجح محللون أن يشهد القطاع خلال الأعوام المقبلة تباطؤًا في وتيرة التحول الكهربائي، مقابل صعود دور السيارات الهجينة كحل انتقالي، إلى أن تتضح ملامح الطلب والبنية التحتية والأسعار بشكل أكثر استقرارًا.