التخطي إلى المحتوى
التدريب المهني يجذب أكثر من 50% من الشباب في ظل تراجع دور الجامعات كـ ‘تذكرة ذهبية’

تُطوَّر برامج التدريب المهني في العديد من أنحاء العالم، غير أن النموذج الأكثر شيوعًا هو ذلك الموجود في ألمانيا، حيث يُعتبر جزءًا جوهريًا من نظام التعليم ما بعد الثانوي، في بعض الولايات، قد تتساوى نسبة الشباب المسجلين في برامج التدريب المهني المزدوج أو حتى تتجاوز نسبة الملتحقين بالجامعات، على الرغم من أنهم مؤهلون لمتابعة تعليمهم.

نظام التدريب المهني “النموذج المزدوج” في ألمانيا

وفقًا لدويتشه فيله، يشارك أكثر من 50% من الشباب الألمان الذين أكملوا تعليمهم ما بعد الثانوي، في برامج التعليم والتدريب المهني المزدوج، ويمكنهم الاختيار من بين 326 مهنة، تتراوح بين صقل الألماس وفني الطائرات وحتى تنظيف المداخن.

يهدف هذا النظام إلى تطوير المهارات العملية، وقدرات حل المشكلات، والروح الاستباقية، وهي عناصر أساسية في بناء قوة عاملة عالية المهارة تلبي المعايير الصارمة للصناعات التحويلية والخدمية الألمانية.

تُعد برامج التدريب المهني في ألمانيا موحدة على مستوى البلاد، في العديد من الولايات الألمانية، يُوجَّه الطلاب عادةً بعد المرحلة الابتدائية إلى أنواع مختلفة من المدارس الثانوية: جيمنازيوم (التي تؤهل للالتحاق بالجامعة)، وريالشوله (التي تجمع بين التعليم الأكاديمي والمهني)، وهاوبتشوله (التي تركز على التدريب على المهارات العملية)، ويتيح هذا النظام المرن إمكانية الانتقال بين هذه الأنواع عند الحاجة.

يُصمّم نظام التدريب المهني الألماني على مبدأ اللامركزية المتناغمة، بالتعاون الوثيق بين الشركات والنقابات العمالية والحكومة الاتحادية والسلطات المحلية، كل طرف يلعب دورًا محددًا وواضحًا، ويتم توحيد محتوى التدريب ومعايير المهارات والمناهج الدراسية على المستوى الوطني من خلال المعهد الاتحادي للتدريب المهني (BiBB).

يساهم مبدأ “اللامركزية القائمة على التطبيق العملي” في تمكين المناطق والشركات من أن تكون أكثر استباقية في تكييف برامج التدريب مع احتياجات السوق، كما تُنظم الشركات التدريب بشكل مباشر، وتقدّم إعانات تصل إلى حوالي 1000 يورو شهريًا للمتدربين، وتقضي على تكلفة المدربين والمعدات.

يكتسب الطلاب خبرة عملية قبل اختيار مسارهم المهني، فمثلاً في ولاية شمال الراين وستفاليا، يُشجَّع الطلاب على الاستفادة من تجارب العمل المتنوعة قبل اتخاذ قرارات بشأن مسيرتهم المهنية، نيريمان رايم، البالغ من العمر 16 عامًا، هو مثال يُظهر ذلك، حيث تدرب في مكتب هندسي وروضة أطفال، ولم يدرك ميوله نحو التعليم إلا أثناء مساعدته لطلاب المرحلة الابتدائية، مما جعله يبدأ في التفكير الجاد في مهنة التدريس.

تخطط رايم بعد إتمام دراستها الثانوية لقضاء عام تحضيري لاستكشاف مهنة التدريس بشكل أفضل، كما تشارك في برنامج “لا تخرج دون توجيه”، الذي يوفر الدعم في كتابة السير الذاتية، وإعداد طلبات التوظيف، ويبدأ التوجيه المهني من الصف التاسع، علاوة على أن الصف العاشر يشمل تدريبًا عمليًا لمدة يوم واحد أسبوعيًا طوال العام الدراسي.

كما صرحت سونيا غريزيك، المعلمة في مدرسة أورسولا كوهور، حيث يدرس رايم، “لا يمكنك أن تتعلم عن مهنة ما في الفصل الدراسي فقط، يحتاج الطلاب إلى خبرة عملية في العالم الحقيقي.”

تهدف الإصلاحات الجديدة إلى تحقيق مزيد من المرونة في نظام التدريب المهني، رغم أن هذا النظام ساهم في تقليل معدلات بطالة الشباب، إلا أنه تعرض لانتقادات واسعة، حيث يُعتقد أن الطلاب من خلفيات اجتماعية واقتصادية ضعيفة، أو أبناء المهاجرين، يُدفعون غالبًا نحو برامج التدريب المهني دون فرصة لمتابعة التعليم العالي، إضافة إلى أن المهاجرين الجدد لا يحصلون على إرشادات واضحة لالتحاقهم بنظام التدريب المهني.

لمواجهة هذا التحدي، يسعى المعنيون بالتعليم في ألمانيا جاهدين إلى إصلاح نظام التدريب المهني ليناسب الجيل الشاب بشكل أفضل، يُعد برنامج رايم أحد النماذج التجريبية التي تتيح للطلاب استكشاف مجموعة واسعة من المهن قبل اختيار مسار مهني رسمي.

صرح برنارد ماير، المعلم المسؤول عن تنفيذ البرنامج في 11 مدينة بشمال غرب ألمانيا، “نحن نوفر جميع الخيارات الممكنة – ليس فقط التدريب المهني أو الجامعة.”

يتيح البرنامج للطلاب الحصول على تعليم عام، مع إمكانية اختيار مسار مهني يتناسب مع قدراتهم واهتماماتهم، وعلى الرغم من أن هذا ليس شائعًا، إلا أن بعض طلاب المدارس الثانوية (الموجهة نحو التعليم الجامعي) يختارون التدريب المهني بدلاً من الالتحاق بالجامعة.

مثال على ذلك هو تيم بيكر، البالغ من العمر 20 عامًا، الذي اختار التدريب العملي في مجال تكنولوجيا المعلومات بدلًا من الالتحاق بجامعة كولونيا، رغم اجتيازه امتحان القبول، وفي البداية كان والدا بيكر قلقين، حيث توقعا أن يلتحق ابنهما بالجامعة، لكن بيكر فضّل العمل التطبيقي على المحاضرات النظرية، مشيرًا إلى أن العديد من زملائه السابقين تركوا الجامعة في منتصف الطريق للانضمام إلى برامج التدريب العملي.

في بعض المدارس الألمانية، تُنظم المدرسة اجتماعات دورية بين أولياء الأمور والمعلمين، لدعم أولياء الأمور في فهم نظام التوجيه المهني وتطوير ثقتهم في خيارات أبنائهم.

مايل غليسيك، البالغ من العمر 15 عامًا، يتدرب في متجر لمواد البناء ويخطط لممارسة مهنة في مجال المبيعات، حيث قال الطالب لتقرير هيشينجر: “كان والداي متشككين في البداية، لكنهما الآن سعيدان باختياري.”

وبالنسبة لوالدة رايم، فإن رؤية ابنتها واثقة من رغبتها في أن تصبح معلمة أمر يبعث على الطمأنينة، حيث تُشير رايم إلى أن المعلمين في المدرسة يساعدون دائمًا على تعزيز ثقة الطلاب، حيث إنهم لا يريدون للطلاب التخرج دون معرفة ماذا سيفعلون.

المصدر: