التخطي إلى المحتوى
النمر العربي: تاريخ يمتد لأكثر من 500 ألف عام في الجزيرة العربية يواجه خطر الانقراض

10 فبراير/ شباط 2026، 04:31 GMT

مدة القراءة: 8 دقائق

يُعد العاشر من فبراير من كل عام مناسبة بيئية مهمة في العالم العربي، بعد أن اعتمدته الأمم المتحدة يوماً عالمياً للاحتفاء بالنمر العربي، أحد أندر الحيوانات المفترسة وأكثرها عرضة للانقراض.

يمثل النمر العربي أصغر أنواع النمور مقارنة ببقية الأنواع في أفريقيا وآسيا، ولكنه يُعتبر أكبر الحيوانات المفترسة في شبه الجزيرة العربية، حيث يبلغ حجم الذكر حوالي نصف حجم نظيره الإفريقي، ويتراوح وزنه بين 24 و34 كيلوغراماً، بينما يصل وزن الأنثى بين 18 و23.5 كيلوغراماً.

يصل طول الذكر إلى ما بين 1.8 و2.3 متر، فيما يترواح طول الأنثى بين 1.6 و1.82 متر، ويساعده ذيله الطويل في الحفاظ على توازنه أثناء تسلق الجبال والصخور، وهي مهارة حيوية للبقاء في بيئته القاسية.

تلد أنثى النمر العربي بعد فترة حمل تتراوح بين 98 و100 يوم، بمعدل شبل إلى 3 أشبال في كهف أو شق صخري، وتولد الأشبال عمياء وتفتح أعينها بعد حوالي 10 أيام، لتبدأ في استكشاف محيطها، ولا تغادر الأشبال وحدها حتى تصل إلى عمر 4 أسابيع، وتعمل الأم على حماية صغارها بنقلها من عرين إلى آخر لتقليل فرص اكتشاف الضواري الأخرى لها، ويصل الصغار إلى مرحلة البلوغ بعد عامين، بينما يتراوح متوسط أعمار النمور العربية في الحياة البرية بين 8 إلى 10 سنوات، بينما يمكن أن تصل أعمارها في مراكز الإكثار إلى 20 عاماً.

يمتاز النمر العربي بلونه الفاتح مقارنة بالسنوريات الأخرى، حيث يتراوح لون فرائه بين الأصفر الشاحب والذهبي الداكن، وعيونه زرقاء على عكس نظيراتها الأفريقية، ويتميز ببقعه التي تأخذ شكل ورديات صغيرة متباعدة، مما يساعده على التمويه أثناء الصيد، ويتغذى على الثدييات الصغيرة والمتوسطة الموجودة في المنطقة، مثل الأرانب والنيص وبعض أنواع الأيائل، بالإضافة إلى القوارض والطيور.

لكن تراجع المساحات البرية وندرة الفرائس دفعه أحياناً للاقترب من المناطق السكنية، مما يجعله عرضة للصيد والقتل بدافع الانتقام أو الخوف، ويؤدي ذلك إلى تفاقم الصراع بين الإنسان والحياة البرية.

تاريخ

تشير الدراسات العلمية إلى أن النمر العربي، المعروف علمياً باسم Panthera pardus nimr، استوطن شبه الجزيرة العربية ومصر منذ أكثر من 500 ألف عام، آتياً من أفريقيا، وقد شكل جزءاً أساسياً من الأنظمة البيئية الجبلية والصحراوية.

لقد عُرف هذا الحيوان في الثقافة التاريخية للمنطقة عبر الحكايات الشعبية والنقوش القديمة، ففي “محمية شرعان الطبيعية” بمحافظة العلا في شمال غرب المملكة العربية السعودية، توجد صور متعددة للنمر العربي في النقوش الصخرية التي تمتد لأكثر من 10 آلاف سنة، مُظهرة تفاعل الإنسان مع الحيوان، حيث يظهر النمر وهو يهاجم حيوانات ذات قرون، مثل الغزلان، وفي صور أخرى يظهر كطريدة يصطادها البشر باستخدام أدوات بدائية.

منذ ذلك الزمن، ظل النمر العربي رمزاً للجمال والشجاعة والقوة في ذاكرة سكان المنطقة، وكان موضوعاً للقصص والأساطير اليومية، حيث يُطلق على الرجل القوي والشجاع لقب نمر في بعض البلدان.

وفي القرن التاسع عشر، تظهر لوحة من ذلك الوقت لرجلين يتوجهان إلى سوق بغداد لبيع جلد النمر، تعكس كيف كان هذا الحيوان جزءاً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لكنه كان يُستنزف دون وعي بخطورة انقراضه.

تُعتبر هذه الصورة التاريخية شاهداً على فترة كانت فيها النمور العربية منتشرة حيث كانت هدفاً للتجارة، قبل أن تصبح نادرة لدرجة أن مجرد رؤيتها في البرية يُعد حدثاً استثنائياً.

رغم هذا التاريخ الطويل، يواجه النمر العربي اليوم خطر الانقراض الكامل في البرية، وقد وضعت الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة على اللائحة الحمراء للحيوانات المهددة بالانقراض بدرجة حرجة، مما يتطلب جملة من الجهود لحماية التنوع البيولوجي في بيئته الأصلية.

وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة في فبراير 2024، فإن عدد النمور العربية المتبقية في البراري لا يتجاوز 200 نمر فقط، مما يعكس مدى التراجع الكبير الذي شهده هذا النوع خلال العقود الماضية بسبب فقدان مواطنة الطبيعية والصيد الجائر.

على الرغم من هذا التراجع الحاد، لا يزال النمر العربي يُشاهد في مناطق محدودة في اليمن والسعودية وسلطنة عمان، حيث يعيش في البيئات الجبلية الوعرة، متخذًا من الصخور المرتفعة ومناطق نائية موطناً له.

في هذا السياق، اكتسب العاشر من فبراير يوماً عالمياً للنمر العربي أهمية خاصة، فقد أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً في يونيو 2023، في خطوة تعكس اعترافاً دولياً بخطورة وضع هذا الحيوان.

مبادرات عربية

جاء قرار الأمم المتحدة باعتماد العاشر من فبراير يوماً عالمياً للنمر العربي استكمالاً لمبادرات عربية، في مقدمتها المبادرة السعودية التي انطلقت عام 2022، حيث خُصص هذا اليوم كيوم وطني للنمر العربي، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستدامة والحفاظ على التنوع البيولوجي.

بدأت الجهود العملية منذ عام 2019، حين دشّن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع محمية طبيعية مخصصة لحماية النمر، تلتها في نهاية 2020 تأسيس الصندوق العالمي لحماية النمر العربي في محافظة العلا، وذلك كجزء من “رؤية المملكة 2030″، التي تهدف لتعزيز الاستدامة البيئية وتنمية الأعمال غير الربحية.

شملت جهود الهيئة الملكية لمحافظة العلا الحفاظ على هذا التراث الطبيعي، من خلال إطلاق حملة وثبة أمل “Leap of Hope”، وذلك احتفالاً باليوم العالمي للنمر العربي لعام 2025، عبر دعوة الأشخاص والمؤسسات للانضمام لحماية النمر العربي، بالإضافة لإطلاق برنامج النمر العربي الذي يمثل نهج الهيئة لاستعادة الموائل الطبيعية وزيادة الوعي.

تضمنت حملة وثبة أمل أيضاً العديد من الأنشطة الرئيسية، مثل مسيرة يوم النمر العربي، وبرنامج توعوي موجه للمدارس، فضلاً عن بطولة لكرة القدم تستهدف المجتمع المحلي لرفع مستوى الوعي حول الحفاظ على هذا النوع المهدد بالانقراض.

يعتبر مركز “إكثار النمر العربي بالعُلا”، الوحيد من نوعه في العالم، وفي 19 يونيو 2024، شكّلت ولادة ثلاثة أشبال للنمرة “ورد” حدثاً مميزاً، مما يعكس تقدماً ملحوظاً في جهود الحفاظ على هذا الإرث الطبيعي.

تُعتبر ولادة ثلاثة أشبال سابقة من نوعها في محميات طبيعية داخل السعودية، والثالثة على مستوى العالم في العقود الأخيرة، حيث ساهم الأب النمر “باهر”، الذي تم إحضاره من سلطنة عمان، في تعزيز التنوع الجيني لنمور العلا، وهو أساس نجاح إعادة إدخال النمر العربي إلى بيئته الطبيعية.

منذ تولي الهيئة الملكية لمحافظة العلا إدارة المركز، تضاعف عدد النمور من 14 إلى 32 نمراً، مع تسجيل 12 ولادة خلال عامي 2023 و2024، مما يُظهر نجاح جهود حماية هذا الإرث الطبيعي.

بالتوازي مع هذه الجهود، قامت السلطات السعودية بتشديد العقوبات على صيد النمر العربي، إذ حذّرت قوات الأمن البيئي من أن عقوبة الصيد قد تصل إلى 400 ألف ريال سعودي، أي ما يعادل نحو 100 ألف دولار.

في سلطنة عُمان، حيث تُعتبر جبال ظفار الجنوبية موطناً مهماً للنمر العربي، أولت السلطات اهتماماً كبيراً بدراسة وحماية هذا الحيوان، حيث يقوم مكتب حفظ البيئة بمراقبة النمور في المحميات الطبيعية، ونشر الوعي بين السكان لمنع صيدها، وتعويض المزارعين عن الخسائر الناتجة عن افتراس الماشية.

أسست سلطنة عمان مراكز خاصة لإكثار النمر العربي، وشاركت في مشاريع بحثية تهدف لفهم سلوك الحيوان وضمان استمراريته.

أما في دولة الإمارات، فقد أطلق حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي منذ عام 2014 مبادرة “الحفاظ على النمر العربي في بيئات شبه الجزيرة”، التي تركز على حماية النمر وموائل فرائسه الطبيعية مثل الغزلان، لضمان استدامة السلسلة الغذائية.

تعكس هذه المبادرات زيادة الوعي بأن حماية النمر تكون مرتبطةً بحماية النظام البيئي بأكمله.

في اليمن، اتخذ النمر العربي بُعداً رمزياً خاصاً، حيث أقره مجلس الوزراء عام 2009 رمزاً وطنياً للجمهورية، وحظرت الحكومة صيده عام 1995.

في أبريل 2020، شكلت الهيئة العامة لحماية البيئة لجنة خاصة لحماية النمر، وهناك تقارير عن انتشار النمر في عدة محافظات يمنية، مثل الضالع وأبين وعمران وحجة والمهرة.

رغم ذلك، فإن الوضع السياسي والأمني الصعب وضعف الإمكانات جعل سياسات الحماية أقل فعالية، وقد تداول ناشطون صوراً لنمور عربية قُتلت في اليمن، مما يعكس هشاشة وضع هذا الحيوان في البلاد.

اختبار حقيقي

يمثل اعتماد الأمم المتحدة لليوم العالمي للنمر العربي اعترافاً بأهمية المبادرات الإقليمية في مجال حماية البيئة، ويعكس تحولاً في مركز الثقل البيئي نحو الجنوب العالمي، حيث تتقاطع التحديات البيئية مع قضايا التنمية والاستقرار الاجتماعي، مما يتيح فرصاً للتعاون الدولي عبر التمويل وتبادل الخبرات.

يحتل تخصيص يوم عالمي للنمر العربي أيضاً مكانة رمزية وعملية، حيث يُعزز هذا اليوم من إعادة إدراج النمر العربي في الوعي الجمعي، باعتباره جزءاً أساسياً من الأنظمة البيئية، بدلاً من كونه كائناً غامضاً.

على المستوى العملي، يشكل هذا اليوم منصة لتعبئة الموارد وتحفيز الأبحاث وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية، وقد أثبتت التجارب أن تخصيص أيام دولية للأنواع المهددة يساهم في جذب الانتباه وخلق ضغط إيجابي لدعم برامج الحماية.

وبذلك، يُعتبر اليوم العالمي للنمر العربي محطة سنوية للتأكيد على أن انقراض هذا الحيوان يعني فقدان جزء مهم من التاريخ الطبيعي والثقافي للمنطقة العربية.

يشكل النمر العربي، الذي عاش في هذه الأرض منذ مئات آلاف السنين، مرآة تعكس العلاقة بين الإنسان وبيئته، وقدرة المجتمعات العربية على الموازنة بين التنمية وحماية الإرث الطبيعي.

ستظل حماية النمر العربي اختباراً حقيقياً للتزام المجتمع العربي والدولي بحماية التنوع البيولوجي، ليس كسلسلة من الشعارات بل كمسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.