تعيش صناعة السجاد الإيراني، إحدى أقدم الصناعات الحرفية في العالم، حالة انهيار غير مسبوقة، مع تراجع الصادرات إلى أقل من 40 مليون دولار خلال عام 2025، بعد أن كانت تتجاوز ملياري دولار قبل ثلاثة عقود، وفق بيانات لجنة السجاد والحرف اليدوية التابعة لغرفة التجارة الإيرانية.
وبحسب تقرير لـ”سكاي نيوز عربية”، يقف صناع السجاد في إيران أمام ورشهم العريقة، مترقبين مصير صناعة ارتبطت بهوية تمتد لآلاف السنين، وسط توقف عدد كبير من الورش عن العمل بسبب العقوبات الغربية، ثم الحرب الأخيرة التي ضربت البلاد وأثرت بشكل مباشر على سلاسل الإنتاج.
ويقول محسن طاهري (اسم مستعار)، وهو أحد صناع السجاد، إنه يواجه صعوبة كبيرة في توفير الخيوط والأصباغ الطبيعية، فضلًا عن تعثر تصريف الإنتاج داخل إيران وخارجها، في ظل تدهور السوقين المحلي والخارجي.
توقف 80% من الورش في كاشان
وأكد طاهري أن نحو 80% من ورش ومصانع السجاد الصغيرة والمتوسطة في كاشان التابعة لمحافظة أصفهان، المعروفة كأحد أهم مراكز صناعة السجاد الفاخر، توقفت عن العمل، مشيرًا إلى أن أصحاب المصانع لا يتوقعون أي انفراجة قريبة.
وتسببت القيود المفروضة على التصدير نتيجة العقوبات، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة توفير المواد الخام خلال الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي، في تسريح عدد كبير من العمال المهرة، ما يمثل خسارة كبيرة للقطاع.
ورغم الهدنة التي بدأت في 8 أبريل الماضي، لم تستعد الورش نشاطها بشكل كامل، إذ لا تزال تعاني من ضعف الطلب محليًا وخارجيًا.
تراجع الطلب وتحول السجاد إلى “كمالية مؤجلة”
لا تقتصر الأزمة على التصدير فقط، إذ يشهد السوق المحلي الإيراني تراجعًا حادًا في القدرة الشرائية، ما جعل السجاد بالنسبة لكثير من الأسر سلعة كمالية مؤجلة الشراء.
ويشير طاهري إلى أنه اضطر، مثل غيره من أصحاب الورش، إلى تقليص العمالة ثم التوقف الكامل خلال أيام الحرب الأربعين، قبل أن يعود تشغيل محدود بعد وصول دفعات من المواد الخام عقب وقف إطلاق النار.
انهيار الإنتاج والصادرات
وتراجعت صادرات السجاد الإيراني إلى أقل من 40 مليون دولار خلال 2025، مقارنة بأكثر من مليوني دولار (وفق الأرقام التاريخية المذكورة في التقرير) قبل 3 عقود.
كما كانت الصناعة توظف نحو 6 ملايين شخص خلال تسعينيات القرن الماضي بإنتاج سنوي بلغ 6 ملايين متر مربع من السجاد، بينما انخفض عدد النساجين اليوم إلى أقل من 700 ألف شخص، وبإنتاج لا يتجاوز مليوني متر مربع سنويًا، بحسب الاتحاد العام لتعاونيات السجاد اليدوي في إيران.
كما فرضت الحكومة الإيرانية منذ عام 2018 إلزامًا على المصدرين ببيع جزء من العملات الأجنبية للبنك المركزي بالسعر الرسمي بدل السوق المفتوحة، ما أدى إلى تراجع عدد المصدرين، وفق ما نقلته صحيفة “فاينانشال تايمز”.
وكان السجاد الإيراني يُصدر إلى أكثر من 80 دولة، لكنه تراجع ليقتصر على أسواق محدودة مثل ألمانيا واليابان وبريطانيا وباكستان، في ظل منافسة متزايدة من تركيا والهند والصين.
أزمة أعمق من الحرب
ويرى الخبير الاقتصادي الإيراني علي رضا صداقت أن ما حدث لصناعة السجاد في كاشان وباقي مناطق الإنتاج يعكس صورة مكثفة لأزمة الاقتصاد الإيراني ككل.
ويشير إلى أن القطاع تأثر بثلاثة عوامل رئيسية: ضرب البنية الصناعية وسلاسل الإمداد، والاختناق في الصادرات والتحويلات والنقل نتيجة الحصار والقيود، والانهيار السريع في الطلب المحلي بسبب التضخم وتراجع قيمة الريال.
وسجل الدولار قفزة إلى نحو مليون و810 آلاف ريال، مع فقدان الريال نحو 15% من قيمته خلال يومين فقط، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن وكالة “إيسنا” الإيرانية.
كما أشار إلى أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مجمعات بتروكيماوية لم تؤثر فقط على قطاع الطاقة، بل امتدت إلى الصناعات التحويلية المرتبطة بها، ومنها إنتاج الألياف والخيوط المستخدمة في السجاد الحديث، ما تسبب في ارتفاع حاد في التكاليف.
خسارة اقتصادية وثقافية
ويصف صداقت ما يحدث بأنه خسارة مزدوجة، مادية ورمزية، مؤكدًا أن السجاد الإيراني يمثل جزءًا من الهوية الثقافية والحضارية للبلاد.
أما سكاي نيوز عربية، فنقلت عن التقرير أن هذه الصناعة التي كان يفترض أن تشكل ركيزة للصمود الاقتصادي، أصبحت اليوم مؤشرًا على عمق الانهيار الذي يضرب قطاعات الاقتصاد الإيراني، في ظل استمرار تراجع الإنتاج، وتآكل الخبرات، وخروج آلاف العمال من سوق العمل، ما يهدد إرثًا حرفيًا ممتدًا عبر قرون.
