لم يعد سعر الدولار في إيران مجرد رقم يتغير على شاشات الصرافة أو قنوات الأسعار، بل تحوّل إلى مؤشر يومي لقياس الخوف في الأسواق، ومرآة تعكس حجم القلق من المستقبلين الاقتصادي والسياسي في البلاد، بحسب «الجزيرة».
الدولار مستويات قياسية جديدة في السوق الحرة
ومع تسجيل الدولار مستويات قياسية جديدة في السوق الحرة، دخل الريال الإيراني واحدة من أكثر مراحله هشاشة، وسط اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وتصاعد المخاوف من انتقال موجة تراجع العملة إلى أسعار الغذاء والسكن والسلع الأساسية.
ووفق مواقع إيرانية، هبط الريال يوم الأربعاء 29 أبريل/نيسان إلى مستوى قياسي بلغ 1.81 مليون ريال للدولار (نحو 181 ألف تومان)، فيما تراوحت الأسعار بين 1.76 و1.81 مليون ريال. كما فقدت العملة نحو 15% من قيمتها خلال يومين، في ظل طلب متزايد على العملات الأجنبية بعد أسابيع من الحرب والقيود على حركة السوق.
وتظهر بيانات مواقع تتبع السوق استمرار التذبذب الحاد، إذ سجل موقع “شبكة اطلاع رساني طلا و أرز” اليوم الأحد سعر الدولار عند 1,864,100 ريال (186,410 تومان)، مقارنة بـ1,824,100 ريال في اليوم السابق، بزيادة بلغت 40 ألف ريال. فيما أظهر موقع “الآن چند” سعر حوالة الدولار عند 189,500 تومان للبيع، مع نطاق خلال 24 ساعة بين 177,400 و191,300 تومان.
ولا ينفصل هذا الاضطراب عن موجة تضخمية أوسع، حيث أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم الشهري خلال شهر فروردين 1405 (21 مارس/آذار إلى 20 أبريل/نيسان) بلغ 5%، فيما وصل التضخم السنوي إلى 53.7%، مع ارتفاعات أكبر في أسعار الغذاء والمشروبات والتبغ.
تفسيرات الخبراء
يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة الشهيد جمران، مرتضى أفقه، أن تراجع الريال يعود إلى تراكمات بدأت منذ تشديد العقوبات عام 2018، وتسارعت بفعل الحرب والمخاوف بشأن قدرة إيران على التجارة والتصدير. ويوضح أن انخفاض عرض العملة الصعبة مقابل زيادة الطلب، في ظل التضخم، خلق حلقة مفرغة بين ارتفاع الدولار وارتفاع الأسعار.
ويشير إلى أن اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الحرة يعكس توقعات سلبية بشأن المستقبل، خاصة بعد تضرر قطاعات حيوية مثل البتروكيماويات والفولاذ، التي شكّلت جزءًا مهمًا من الإيرادات غير النفطية.
بدوره، يعزو الخبير الاقتصادي آيزاك سعيديان تراجع العملة إلى ثلاثة عوامل رئيسية: نمو السيولة، ضعف الإنتاج، والعجز المزمن في الموازنة، معتبرًا أن تمويل الإنفاق عبر خلق النقود يفاقم التضخم ويضغط على قيمة العملة.
كما يؤكد أن التوترات السياسية والحرب رفعت حالة عدم اليقين، وزادت الطلب المضاربي على الدولار، في وقت عمّقت فيه القيود على الإنترنت أزمة النشاط الاقتصادي، خاصة في القطاعات الرقمية والصغيرة.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي بيمان مولوي أن الأزمة نتاج تفاعل عوامل داخلية، مثل التضخم والعجز الهيكلي، مع عوامل خارجية كالعقوبات والمخاطر الجيوسياسية، ما يدفع الأفراد والشركات للجوء إلى الدولار كملاذ آمن. ويصف اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق بأنه دليل على خلل عميق في السياسة النقدية.
سوق مرتبكة ويوميات مضطربة
في ساحة فردوسي وسط طهران، يؤكد محمود، وهو عامل صرافة، أن السوق شهد موجات ارتفاع غير مسبوقة، مع تسجيل الدولار “سقفًا تاريخيًا جديدًا”، وارتفاع “هيستيري” في أسعار الذهب قبل أن تتراجع قليلًا إثر تحركات أمنية ضد سماسرة السوق.
ويشير إلى أن السوق تحكمه حاليًا “الأعصاب والحرب النفسية” أكثر من العرض والطلب، معتبرًا أن مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن بات العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الأسعار.
وامتدت التقلبات إلى أسواق أخرى، حيث تقول ثريا، صاحبة محل أقمشة، إن أسعار الستائر ارتفعت ثلاثة أضعاف خلال يومين فقط، رغم شرائها بضائع قبل موجة الارتفاع، ما يهدد بإبعاد الزبائن عن السوق. وتطالب بتدخل حكومي عاجل، محذّرة من تداعيات قد تمس الاستقرار الداخلي.
من جانبها، ترى ليان، طالبة الاقتصاد، أن انهيار الريال ينذر بموجة غلاء أكبر لم تظهر آثارها الكاملة بعد، معتبرة أن ما يحدث يعكس تحول الأزمة إلى “حرب استنزاف” قد تؤثر على الشارع.
وفي صورة تعكس عمق الأزمة، يقول عباس، العاطل عن العمل منذ 45 يومًا، إن سعر الدولار “يسلب النوم”، محذرًا من أن تراجع العملة قد يجعل المواطنين أسرى لتوفر السلع بأسعار باهظة، في ظل تركيز السلطات على توفر السلع بدلًا من ضبط الأسعار.
أزمة تتجاوز سعر الصرف
بين تحليلات الخبراء ومشاهد السوق، يتضح أن تراجع الريال لم يعد مجرد أزمة نقدية عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر على تراجع الثقة. فارتفاع الدولار لا يتوقف عند مكاتب الصرافة، بل يمتد إلى أسعار الغذاء والإيجارات والسيارات وقرارات الأسر اليومية.
وتكشف الأزمة أن السوق تحركه التوقعات بقدر ما تحركه أساسيات العرض والطلب، في ظل ترقب مستمر لتطورات الحرب والعقوبات وقدرة الدولة على توفير العملة الصعبة.
وفي هذا السياق، يلجأ كثير من الإيرانيين إلى شراء الدولار والذهب كوسيلة دفاعية لحماية مدخراتهم من التضخم، لكن استمرار هذه الدائرة يفاقم الضغوط الاجتماعية، مع تآكل الأجور وتزايد العبء على الطبقات المتوسطة والفقيرة.
وبذلك، لا يقتصر التحدي في الأيام المقبلة على اتجاه سعر الصرف، بل يمتد إلى قدرة السلطات على احتواء انتقال صدمة الدولار من الأسواق إلى الشارع.

