أوكرانيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي وهي تواجه تداعيات الفساد المستشري الذي نخر في عصب مؤسسات التعبئة العامة العسكرية مهدداً التماسك الاجتماعي للدولة في محنتها القاسية.
وحسب تقرير لـ “القاهرة الإخبارية” فقد رصدت الأجهزة الأمنية تزايداً ملحوظاً في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها ضباط التجنيد ضد المواطنين العزل في شوارع المدن المختلفة.
وتعكس هذه الأزمة المتصاعدة حجم التحديات التي يفرضها استغلال السلطة في زمن الحرب حيث تحولت مراكز التوظيف والدعم الاجتماعي إلى ساحات لتحصيل الأموال غير القانونية من الراغبين في الفرار.
زلازل الفساد المالي في أروقة مراكز التعبئة
كثّفت أجهزة إنفاذ القانون في أوكرانيا تحقيقاتها الموسعة في مزاعم الفساد والمخالفات الجسيمة داخل مكاتب التجنيد خلال عام ألفين وستة وعشرين لتهدئة الغضب الشعبي المشتعل ضد التجاوزات المالية الكبيرة.
ونفذت السلطات الأمنية ضربة قوية استهدفت موظفي مكاتب التجنيد في ست عشرة منطقة مختلفة حيث شملت العمليات أربعاً وأربعين مداهمة وتفتيش لمسؤولين حاليين وسابقين تورطوا في جمع ثروات مشبوهة.
وأسفرت هذه المداهمات المكثفة عن مصادرة أصول غير قانونية تتجاوز قيمتها مئة مليون هريفينا وهو ما يعادل نحو مليونين ونصف المليون دولار أمريكي كانت مخبأة في منازل ومكاتب المتورطين.
وتشير التحقيقات إلى أن اثنين من المشتبه بهم تمكنا من الوصول إلى ثراء سريع ومريب عبر الحصول على مبالغ تتراوح بين ستة وعشرة ملايين هريفينا خلال فترة عملهم القليلة.
سيناريوهات الاختطاف والابتزاز في شوارع المدن
تستغل هذه الشبكات الإجرامية المنظمة ثغرات الأحكام العرفية والتعبئة العامة لفرض إتاوات مالية قاسية مقابل منح إعفاءات غير قانونية من الخدمة العسكرية التي أصبحت شبحاً يطارد الكثيرين في البلاد.
وقد أصدرت أجهزة إنفاذ القانون في أوكرانيا أكثر من مئة وخمسين مخالفة إدارية متعلقة بالفساد خلال الأيام القليلة الماضية لردع الموظفين الذين استحلوا أموال المواطنين تحت وطأة التهديد بالسوق للجبهة.
ويعتمد الجناة في تنفيذ مخططاتهم على عمليات رصد واستطلاع دقيقة للضحايا المحتملين بناءً على أوامر مباشرة من الموظف المسؤول في مكتب التجنيد التابع للمنطقة التي يقطن فيها المستهدف.
وتقوم هذه المجموعات بجمع معلومات تفصيلية عن الوضع المالي للأشخاص وتتبع تحركاتهم اليومية بدقة تمهيداً لتعقبهم ومهاجمتهم في وسط الشوارع العامة لابتزازهم مالياً مقابل حريتهم من الخدمة العسكرية.
سقوط أقنعة النفوذ ومصادرة الثروات المشبوهة
اعتقلت أجهزة الأمن الأوكرانية ومكتب المدعي العام أربعة ضباط تجنيد في مدينة أوديسا للاشتباه في قيامهم باختطاف رجل مدني وطلب رشوة مالية ضخمة تصل إلى ثلاثين ألف دولار أمريكي لفك سراحه.
وأظهرت التحقيقات الجنائية أن هؤلاء الضباط أجبروا الضحية على ركوب شاحنة صغيرة وجابوا بها أنحاء المدينة مع ممارسة ضغوط جسدية ونفسية عنيفة عليه لدفعه للامتثال لطلباتهم المادية غير المشروعة.
وتعرضت الضحية للضرب والتهديد الصريح بإرساله إلى الخطوط الأمامية للقتال على وجه السرعة إذا لم يقم بدفع المبالغ المطلوبة مما دفع السلطات لتوجيه اتهامات الاختطاف والسطو المسلح للجناة.
وصادرت القوات الأمنية خلال هذه الحملات سيارات فاخرة من طراز تسلا ودراجات نارية باهظة الثمن كانت بحوزة مسؤولي التجنيد الذين لم يستطيعوا إثبات مصدر مشروع لهذه الأموال والمقتنيات الثمينة جداً.
الانتهاكات الحقوقية وصرخة الفئات الأقل قدرة
سجل مفوض حقوق الإنسان دميترو لوبينيتس أكثر من ستة آلاف ومئة شكوى رسمية خلال عام ألفين وخمسة وعشرين تتعلق بسوء المعاملة وإساءة استخدام السلطة المطلقة من قبل ضباط مراكز التجنيد.
وتشير التقارير الحقوقية في أوكرانيا إلى أن عمليات الاستهداف تركزت بشكل أساسي على الفئات الأقل قدرة مالياً بينما ينجو الأثرياء وأصحاب النفوذ من الخدمة العسكرية عبر دفع الرشاوى المالية السخية للمسؤولين.
وأثارت هذه التفرقة الطبقية في تطبيق قوانين التعبئة العامة حالة من السخط والارتباك داخل المجتمع الأوكراني الذي يشعر بظلم شديد في توزيع أعباء الحرب والمخاطر بين أبناء الوطن الواحد.
إن هذه الانتهاكات لم تقتصر على الجوانب المالية بل امتدت لتشمل كرامة المواطن وحريته الشخصية التي كفلها الدستور رغم ظروف الحرب الصعبة التي تعيشها البلاد منذ ما يقرب من خمس سنوات.
تطهير المؤسسات العسكرية واستعادة الثقة الشعبية
قام القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية أولكسندر سيرسكي بتعليق عمل رئيس مركز أوديسا الإقليمي للتجنيد مع رئيس مركز منطقة بيريسيب بسبب الشبهات القوية التي تحوم حول تورطهم في عمليات انتهاك القانون.
وتهدف هذه القرارات الصارمة إلى تطهير قطاعي التوظيف والدعم الاجتماعي بشكل منهجي من كافة أشكال الفساد والانتهاكات التي تسيء لصورة المؤسسة العسكرية الأوكرانية وتضعف الروح المعنوية لدى الجنود والمواطنين.
وتؤكد السلطات العليا أن الهدف الأسمى من هذه التحقيقات هو استعادة ثقة الأوكرانيين في المؤسسات الوطنية التي تؤدي وظيفة بالغة الأهمية والحساسية للدولة في ظل هذه الظروف الاستثنائية والخطيرة جداً.
المعركة ضد الفساد الداخلي في أوكرانيا لا تقل أهمية عن المعركة ضد التهديدات الخارجية حيث يتوقف صمود الدولة على نزاهة مؤسساتها وعدالة تطبيق قوانينها على جميع المواطنين دون استثناء.

