تحت لهيب حرب إيران.. أمريكا تحشد قواتها في الفلبين لتأمين طريق النفط العالمي
الجيش الأمريكي

تحت لهيب حرب إيران.. أمريكا تحشد قواتها في الفلبين لتأمين طريق النفط العالمي- نبض مصر

انطلقت في العاصمة مانيلا فعاليات مناورات باليكاتان العسكرية الأضخم في تاريخ المنطقة، حيث تسعى الولايات المتحدة عبر تعزيز تواجدها في الفلبين إلى إرسال رسالة ردع قوية وشاملة للصين.

وتأتي هذه التدريبات الدفاعية الواسعة في توقيت حساس للغاية يتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية واندلاع حرب إيران، مما يضع أمن الممرات المائية الحيوية في المحيطين الهندي والهادئ على رأس أولويات الأجندة العسكرية الدولية المشتركة بين واشنطن وحلفائها.

وحسب تقرير لـ بلومبرج، فإن هذه النسخة من المناورات تشهد مشاركة قياسية تتجاوز سبعة عشر ألف جندي من مختلف التشكيلات البرية والبحرية والجوية المتقدمة، فيما تؤكد التقارير أن واشنطن تهدف من خلال هذا الحشد العسكري المكثف في الفلبين إلى إثبات قدرتها الفائقة على إدارة أزمات متعددة في آن واحد، رغم انشغالها بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط الذي ألقى بظلاله القاتمة على أسعار النفط العالمية ومعدلات النمو الاقتصادي في قارة آسيا برمتها.

تتضمن المناورات تدريبات بحرية معقدة وعمليات بالذخيرة الحية تهدف إلى رفع الكفاءة القتالية والتنسيق الميداني بين القوات المشاركة التي تمثل تحالفاً دولياً عريضاً يضم اليابان وأستراليا وكندا.

وقد أرسلت هذه الدول تعزيزات كبرى للمشاركة في المهام التدريبية التي تشمل التصدي للتهديدات غير التقليدية وحماية السيادة البحرية، مما يعكس رغبة جماعية في مواجهة التحركات الصينية التي يصفها مراقبون بأنها محاولة لفرض واقع جديد في المياه الإقليمية المتنازع عليها.

تحالفات دولية واسعة وقوة ضاربة في المحيطين

شهدت الساعات الأولى للمناورات انتشاراً واسعاً للقطع البحرية والآليات الثقيلة على طول السواحل الاستراتيجية، حيث انضمت اليابان لأول مرة كطرف أصيل في هذه التدريبات السنوية المهمة.

ويعكس هذا الانضمام الياباني تحولاً استراتيجياً في السياسة الدفاعية لطوكيو، التي بدأت تستشعر الخطر المتزايد من التوسع العسكري الصيني في مضيق تايوان، خاصة بعد الاتهامات التي وجهتها بكين مؤخراً للقوات اليابانية بإثارة المشاكل عبر الوجود العسكري المكثف في المناطق البحرية الحساسة.

وأكد الفريق كريستيان وورتمان من سلاح مشاة البحرية الأمريكية أن التركيز الأمريكي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ سيظل ثابتاً وراسخاً رغم التحديات المشتعلة في مناطق أخرى. وأوضح في كلمته الافتتاحية بمقر القيادة العسكرية في الفلبين أن الالتزام تجاه الحلفاء لا يتأثر بالمتغيرات الطارئة، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو ضمان حرية الملاحة ومنع أي طرف من الانفراد بالسيطرة على الطرق التجارية العالمية التي تعتمد عليها اقتصادات العالم بشكل أساسي.

من جانبها صرحت العقيد فرانسيل مارجريت باديلا المتحدثة باسم الجيش الفلبيني أن توسيع نطاق المناورات هذا العام يبرهن على تعاون الدول لتحقيق هدف مشترك وأصيل. وقالت إن السعي نحو إبقاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة هو المحرك الأساسي لهذه الجهود، مؤكدة في الوقت ذاته أن هذه التدريبات لا تستهدف الدخول في تنافس جيوسياسي ضيق، بل تركز على بناء قدرات دفاعية وطنية قادرة على حماية الحدود والمصالح الحيوية للدولة.

رسائل الردع الأمريكية وسط تقلبات الصراع العالمي

وفي سياق متصل، أقر مجلس النواب الأمريكي مؤخراً تشريعاً مالياً ضخماً يهدف لتمويل جهود الشراكة العسكرية مع تايوان والحلفاء الرئيسيين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويأتي هذا التمويل لعام ألفين وستة وعشرين ليعزز من قدرة وزارة الدفاع الأمريكية على تقديم الدعم التقني واللوجستي للدول الصديقة، مما يشير إلى أن واشنطن تتبنى استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، وضمان عدم حدوث أي اختلال في توازن القوى الإقليمي.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية الفلبينية توتراً متصاعداً في بحر الصين الجنوبي، حيث تتهم مانيلا بكين باستخدام أساليب عدائية شملت استخدام السيانيد والمشاعل الحرارية.

هذه الحوادث أدت إلى تفاقم الأزمة الدبلوماسية ودفعت الرئيس فرديناند ماركوس الابن إلى تعزيز التحالفات الدفاعية مع قوى دولية مثل فرنسا وكندا ونيوزيلندا، في محاولة لخلق جبهة عريضة قادرة على كبح الجماح الصيني الذي يهدد السيادة الوطنية للبلاد في مياهها الإقليمية.

التنين الصيني يراقب التحركات العسكرية في مياه الجنوب

لم تقف الصين مكتوفة الأيدي أمام انطلاق مناورات باليكاتان، بل سارعت بإرسال مجموعة من سفنها الحربية لإجراء تدريبات موازية في غرب المحيط الهادئ قبل يوم واحد فقط من بدء المناورات. ويرى الخبراء العسكريون أن هذا التحرك الصيني يمثل رداً مباشراً ورسالة تحدٍ واضحة للولايات المتحدة وحلفائها، مما يزيد من احتمالات وقوع احتكاكات عسكرية غير مقصودة في المنطقة التي تعاني أصلاً من احتقان أمني وسياسي غير مسبوق في السنوات الأخيرة.

وتتزامن هذه التوترات مع ترقب دولي لتدريبات مرتقبة الشهر المقبل تهدف إلى محاكاة إغراق سفينة معادية، وهي العملية التي سيتابعها وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي شخصياً. 

وتعتبر هذه التدريبات النوعية تحولاً في العقيدة القتالية المشتركة، حيث تركز على تدمير الأهداف البحرية الكبرى، وهو ما يفسره المحللون بأنه استعداد مباشر لاحتمالية نشوب صراع بحري شامل قد تنجر إليه القوى العظمى في حال قررت الصين غزو تايوان أو فرض حصار بحري.

الضغوط الاقتصادية وحرب إيران تلقي بظلالها على المناورات

لا يمكن فصل هذه المناورات العسكرية عن المشهد الاقتصادي العالمي المتدهور نتيجة اندلاع حرب إيران التي تسببت في قفزات جنونية بأسعار الطاقة والمواد الخام. وتخشى الدول الآسيوية المشاركة في المناورات من أن تؤدي هذه الحرب إلى تباطؤ حاد في النمو الاقتصادي، مما قد يؤثر على ميزانياتها الدفاعية، ومع ذلك فإن استمرار واشنطن في الحشد العسكري يعطي إشارة طمأنة للأسواق العالمية بأن الممرات المائية ستظل تحت الحماية العسكرية الفائقة والقوية.

وتحاول الولايات المتحدة عبر هذه التدريبات مع الفلبين استعادة هيبتها الدولية التي اهتزت بسبب الصراعات المتعددة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، حيث يسعى خصومها لتصويرها في موقف الضعف. 

ومن خلال إظهار القوة العسكرية في المحيط الهادئ، تسعى إدارة واشنطن للتأكيد على أن تفوقها العسكري لا يزال قائماً، وأن قدرتها على حماية حلفائها في آسيا هي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار النظام العالمي الذي تقوده منذ عقود.

مستقبل السيادة الإقليمية في ظل عسكرة البحور المتنازع عليها

في نهاية المطاف، تظل مناورات باليكاتان لعام ألفين وستة وعشرين محطة فارقة في تاريخ الصراع الجيوسياسي بين الشرق والغرب، حيث تحولت المياه الإقليمية في الفلبين إلى ساحة لاستعراض القوة. وبينما تؤكد مانيلا وواشنطن على الطابع الدفاعي لهذه التحركات، ترى بكين فيها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مما يجعل المنطقة تعيش حالة من الترقب والحذر، وسط مخاوف من أن يتحول أي خطأ في الحسابات الميدانية إلى مواجهة مباشرة مدمرة.

يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو كيفية الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة قد تعصف بالاستقرار العالمي الهش أصلاً.

 ومع استمرار التدريبات بالذخيرة الحية وتدفق القوات الدولية، يظل السؤال المطروح هو حول مدى صمود هذه التحالفات أمام الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة، وقدرتها على فرض واقع سلمي في منطقة أصبحت تمثل قلب الصراع العالمي الجديد على النفوذ والثروات في القرن الحادي والعشرين.