التخطي إلى المحتوى
تغيير مرتقب في منظومة الدعم.. ماذا ينتظر المواطنين؟- نبض مصر
تغيير مرتقب في منظومة الدعم.. ماذا ينتظر المواطنين؟

في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأعباء المعيشية، أصبح ملف الدعم في مصر واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على حياة المواطنين، خاصة مع اعتماد ملايين الأسر على بطاقات التموين والسلع المدعمة باعتبارها شبكة الأمان الأساسية لمواجهة ارتفاع الأسعار. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت الحكومة في إعادة تقييم منظومة الدعم الحالية، في محاولة للوصول إلى آلية أكثر كفاءة وعدالة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وتحد من الهدر والتسرب الذي تعاني منه المنظومة التقليدية.
ومع تزايد الحديث الرسمي عن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، تصاعدت تساؤلات المواطنين حول شكل المنظومة الجديدة، وهل يعني ذلك إلغاء بطاقات التموين بالكامل؟ وما مصير السلع المدعمة والخبز؟ وهل سيتمكن الدعم النقدي من حماية الأسر البسيطة في ظل الارتفاع المستمر للأسعار؟
وخلال الأيام الماضية، أكدت الحكومة أنها تدرس تنفيذ تحول تدريجي نحو الدعم النقدي بداية من العام المالي 2026-2027، ضمن خطة شاملة لإعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية، مع التأكيد على أن التطبيق لن يتم بصورة مفاجئة، وإنما وفق مراحل مدروسة تراعي البعد الاجتماعي والاقتصادي.

وبحسب تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير التموين الدكتور شريف فاروق، فإن الحكومة تعمل حاليًا على إعداد التصور النهائي لمنظومة الدعم الجديدة، والتي تستهدف منح المواطنين حرية أكبر في اختيار احتياجاتهم بدلًا من التقيد بسلع محددة داخل بطاقات التموين. 

ويعتمد النظام الحالي على تقديم سلع غذائية مدعمة من خلال بطاقات التموين، تتحمل الدولة فارق أسعارها، بينما يقوم الدعم النقدي على منح المستفيد مبلغًا ماليًا مباشرًا يمكنه من شراء احتياجاته وفق أولويات أسرته. كما تتجه الدولة إلى ما يعرف بـ«الدعم النقدي المشروط»، بحيث يتم تخصيص المبالغ لشراء السلع الأساسية فقط، لضمان عدم توجيه الدعم إلى استخدامات أخرى. 

وترى الحكومة أن التحول الجديد قد يسهم في تقليل التلاعب داخل منظومة السلع المدعمة، والقضاء على تسرب الدعم لغير المستحقين، إلى جانب رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتحسين جودة السلع المتاحة للمواطنين من خلال زيادة المنافسة بين المنافذ التجارية. 

وفي المقابل، لا تزال هناك مخاوف واسعة بين المواطنين والخبراء من تأثير التحول إلى الدعم النقدي على أسعار السلع، خاصة في ظل معدلات التضخم الحالية، حيث يخشى البعض من فقدان الدعم لقيمته الشرائية مع مرور الوقت إذا لم يتم تحديثه دوريًا بما يتناسب مع الأسعار في الأسواق. كما يحذر آخرون من أن إلغاء الدعم العيني بصورة كاملة قد يضعف قدرة الأسر البسيطة على توفير احتياجاتها الأساسية. 

وتؤكد الحكومة أن التحول لن يتم إلا بعد تنقية قواعد بيانات المستفيدين، لضمان وصول الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، بالإضافة إلى دراسة آليات صرف متنوعة تشمل التحويلات النقدية المباشرة أو البطاقات الإلكترونية المخصصة لشراء السلع الأساسية فقط. كما شددت على أن التطبيق سيكون تدريجيًا مع متابعة مستمرة لآثاره على الأسواق والمواطنين. 

ورغم الحديث المتزايد عن إنهاء بطاقات التموين التقليدية، فإن الدولة ما زالت تخصص مبالغ ضخمة لدعم السلع التموينية، إذ بلغت مخصصات دعم السلع التموينية في مشروع موازنة 2026-2027 نحو 178.3 مليار جنيه، بزيادة سنوية تُقدر بـ11%، وهو ما يعكس استمرار أهمية ملف الدعم ضمن برامج الحماية الاجتماعية. 

ويبقى السؤال الأهم لدى ملايين المواطنين: هل ينجح الدعم النقدي في تحقيق العدالة الاجتماعية دون التأثير على القدرة الشرائية للأسر؟ فنجاح التجربة لا يرتبط فقط بطريقة صرف الدعم، وإنما بقدرة الدولة على ضبط الأسواق، ومواجهة التضخم، وضمان وصول المساعدات لمستحقيها الحقيقيين، مع مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري يحافظ على قوته الفعلية.

وفي النهاية، تبدو مصر مقبلة على مرحلة جديدة في ملف الدعم، قد تمثل أحد أكبر التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة. وبين مؤيد يرى في الدعم النقدي خطوة نحو كفاءة أكبر وعدالة أفضل، ومعارض يخشى من تداعياته على محدودي الدخل، يظل المواطن في انتظار الإعلان الرسمي عن التفاصيل النهائية للمنظومة الجديدة، والتي ستحدد شكل العلاقة بين الدولة والدعم الاجتماعي خلال السنوات المقبلة، في وقت تسعى فيه الحكومة لتحقيق التوازن الصعب بين الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.