جيل يكتب بالرصاص لا بالحبر
عبدالجبار سلمان

جيل يكتب بالرصاص لا بالحبر- نبض مصر

تمثل مسألة استهداف وعي الأطفال في مناطق النزاع أحد أخطر أوجه الحروب الحديثة، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على السلاح والعمليات العسكرية، بل امتدت إلى ميدان أكثر عمقاً وتأثيراً، وهو ميدان تشكيل العقول والهوية. وفي السياق اليمني، برزت خلال السنوات الماضية مخاوف متزايدة، مدعومة بتقارير حقوقية وأممية، حول الكيفية التي يُعاد بها توظيف التعليم والأنشطة الموازية في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، بما قد يسهم في إعادة صياغة وعي الأجيال الناشئة ضمن أطر أيديولوجية محددة. منذ تصاعد النزاع، تعرض قطاع التعليم في اليمن لضغوط غير مسبوقة، تمثلت في تدمير البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، وتراجع معدلات الالتحاق بالمدارس. وفي مثل هذه البيئات الهشة، تصبح المؤسسات التعليمية عرضة للتسييس، حيث يمكن أن تتحول من فضاءات للمعرفة والتفكير النقدي إلى أدوات لنقل رسائل تعبئة فكرية. وتشير تقارير متعددة إلى أن المناهج الدراسية شهدت تعديلات أثارت جدلاً واسعاً، سواء من حيث المضامين الدينية أو السياسية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى حياد العملية التعليمية في ظل النزاع. إلى جانب التعليم النظامي، تبرز “المراكز الصيفية” كأحد أبرز المسارات التي يُقال إنها تُستخدم للوصول إلى الأطفال خارج الإطار المدرسي التقليدي. ففي الظروف الطبيعية، تمثل هذه الأنشطة فرصة لتنمية المهارات وبناء الشخصية، غير أن طبيعتها في سياق النزاع تظل محل نقاش. فقد أظهرت فيديوهات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أطفالاً يشاركون في أنشطة ذات طابع تعبوي، بل تدريبات تحمل سمات عسكرية أو شبه عسكرية، وهو ما أثار قلقاً واسعاً لدى منظمات حقوق الإنسان.

هذه الممارسات، تطرح إشكاليات عميقة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، التي تحظر بشكل صريح إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة أو تعريضهم لأنشطة قد تضر بسلامتهم الجسدية والنفسية. وقد أكدت الأمم المتحدة مراراً أن تجنيد الأطفال أو استغلالهم في النزاعات يمثل أحد أخطر الانتهاكات التي تتطلب استجابة دولية حازمة، كما شددت اليونيسف على أن حماية الطفولة يجب أن تظل أولوية مطلقة، حتى في أحلك ظروف النزاع. ولا يقتصر الخطر على الجانب الجسدي أو القانوني فحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي والاجتماعي. فتعريض الأطفال لخطاب أحادي أو تعبوي في سن مبكرة قد يؤدي إلى ترسيخ أنماط تفكير مغلقة، ويضعف قدرتهم على التعايش مع التنوع، وهو ما ينعكس لاحقاً على بنية المجتمع ككل. كما أن غرس مفاهيم الولاء الضيق أو المرتبط بسياقات صراعية قد يقوض الإحساس بالانتماء الوطني الجامع، ويؤسس لانقسامات طويلة الأمد يصعب معالجتها حتى بعد انتهاء النزاع. وعند مقارنة هذا الواقع بتجارب إقليمية أخرى، كما في سوريا، لبنان والعراق، يمكن ملاحظة كيف أن تداخل العوامل الأيديولوجية والسياسية مع البنية الاجتماعية أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعقيد مسارات الاستقرار. فترسيخ الولاءات العابرة للحدود، أو المرتبطة بجهات غير وطنية، غالباً ما يخلق حالة من الانقسام الداخلي، ويجعل من الصعب بناء مشروع وطني جامع. في اليمن، حيث يعاني المجتمع أصلاً من تداعيات الحرب والانقسام، يصبح خطر إعادة تشكيل وعي الأطفال في اتجاهات أحادية أكثر حدة. فالأطفال الذين ينشؤون في بيئات مشبعة بخطاب الصراع قد يجدون أنفسهم، مستقبلاً، أقل استعداداً للمشاركة في جهود السلام وإعادة الإعمار، وأكثر عرضة للانخراط في دوائر العنف. من هنا، تبرز الحاجة إلى استجابة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية. فإعادة بناء قطاع التعليم على أسس مهنية ومحايدة تمثل خطوة أساسية لضمان توفير بيئة آمنة للأطفال. كما أن دعم المعلمين وتأهيلهم، وتطوير مناهج تعليمية تعزز قيم التسامح والتفكير النقدي، يمكن أن يسهم في تحصين الأجيال القادمة من التأثر بالخطابات المتطرفة. إلى جانب ذلك، تلعب المجتمعات المحلية دوراً محورياً في حماية الأطفال، من خلال تعزيز الوعي بمخاطر الاستغلال، وتشجيع الأسر على متابعة الأنشطة التي يشارك فيها أبناؤهم. كما أن دور الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لا يقل أهمية، سواء في كشف الانتهاكات أو في نشر خطاب بديل يركز على السلام والتعايش. في المحصلة، فإن ما يجري في اليمن لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق الأوسع للنزاعات الحديثة، حيث أصبحت السيطرة على العقول لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. وإذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بجدية، فإن آثارها قد تمتد لعقود، لتؤثر ليس فقط على مستقبل اليمن، بل على استقرار المنطقة بأسرها. حماية الأطفال اليوم ليست مجرد واجب إنساني، بل استثمار استراتيجي في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.