التخطي إلى المحتوى
حين تتحول المقاطعة إلى استسلام: في نقد منطق “اللاتفاوض” اللبناني- نبض مصر
حين تتحول المقاطعة إلى استسلام: في نقد منطق “اللاتفاوض” اللبناني

يطرح بعض المراقبين موقفًا يبدو في ظاهره متماسكًا أخلاقيًا تجاه أي لقاء لبناني محتمل مع رئيس الحكومة الإسرائيلية ، يقوم على خمس مقدمات: أن نتنياهو مجرم حرب مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية وأن الاجتماع به إعادة تأهيل له ، وأنه لن يقدم تنازلات لأنه يعيش نشوة الغرور ، وأنه غير معنيّ أصلًا بالهدنة ، وأن الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود الدولية مشروط بتحالف ضد حزب الله يحوّل الحرب إلى حرب داخلية ، وأن أي لقاء بلا اتفاق يُفقد لبنان آخر أوراقه . هذا الموقف: رغم مشروعيته العاطفية ينطوي على مغالطات تحليلية واستراتيجية جوهرية ، البناء عليها سياسيًا يُلحق بلبنان ضررًا أكبر مما يدّعي تجنّبه .

تبدأ المغالطة الأولى من الخلط بين الشرعنة الرمزية والتفاوض الاضطراري . صحيح أن مذكرة الجنايات الدولية واقع قانوني ، وأن قادة أوروبيين تجنبوا اللقاء بنتنياهو لكن القياس على هؤلاء قياس مع الفارق؛ فأوروبا ليست محتلة ولا تُقصف قراها ، ولا يجلس جيش الاحتلال على أراضيها . لبنان طرف مباشر في نزاع ساخن ومنطق “المقاطعة الأخلاقية” يُمارَس من موقع الترف لا من موقع الدم . والتاريخ العربي يقدم شواهد لا تُحصى على ذلك: مصر فاوضت مناحيم بيغن وهو المسؤول السياسي عن “دير ياسين” ، والأردن فاوض إسحاق رابين وهو الذي أصدر أوامر “كسر العظام” في الانتفاضة الأولى . التفاوض مع الخصم في ذروة عدوانه ليس بدعة في تاريخ النزاعات؛ بل هو القاعدة في إنهائها والتعامل مع عدو محتل ليس “تأهيلًا” له لكنها إدارة لواقع لا يُغيَّر بالغياب عن الطاولة .

أما المقدمة الثانية، القائلة إن نتنياهو لن يقدم تنازلات لأنه مغرور فتخلط بين قراءة النوايا وقراءة الموازين . التنازلات لا تُستجدى من طبائع الخصوم بل تُنتزع من بنية الحوافز والضغوط المحيطة بهم ، ونتنياهو اليوم محاصر بثلاثة ضغوط مركبة: ضغط أمريكي متصاعد على الجبهة اللبنانية تحديدًا حيث تريد إدارة ترامب “إنجازًا” قابلًا للتسويق قبل منتصف ولايتها؛ واستنزاف عسكري متواصل في الجنوب رغم التفوق الناري الكاسح؛ وائتلاف داخلي مهزوز بعد حرب إيران 2026 وما خلّفته من إعادة ترتيب للأولويات الإسرائيلية . والافتراض بأن الخصم لن يتنازل قبل أن نختبر قدرتنا على انتزاع التنازل ليس تحليلًا ، بل انسحابًا استباقيًا من ساحة الفعل وشكلًا من أشكال الاستسلام مُقنّعًا بالتشاؤم .

والمقدمة الثالثة، التي تزعم أن نتنياهو غير معنيّ أصلًا بالهدنة تخطئ في قراءة المصلحة الإسرائيلية الفعلية . فإسرائيل معنية جدًا بتثبيت الوضع في الشمال لأسباب عملياتية لا أخلاقية: استمرار الاحتكاك يُبقي ما يقارب ستين ألف مستوطن من قرى الجليل خارج بيوتهم ، والكلفة الاقتصادية للتعبئة المستمرة تتراكم شهريًا ، والتمدد الإسرائيلي في النقاط اللبنانية الخمس ليس ورقة قوة دائمة بقدر ما هو ورقة استنزاف عكسية كلما طال أمدها . إظهار اللامبالاة في التفاوض سلاح وليس إفصاحًا عن الحقيقة .

تأتي بعد ذلك أخطر المغالطات ، وهي افتراض أن الانسحاب الإسرائيلي مشروط حتمًا بتطبيع كامل وتحالف ضد حزب الله . هذا الافتراض يتعامل مع السقف الأقصى للمطامح الإسرائيلية باعتباره السقف الوحيد للتفاوض . وما يُطرح فعليًا في القنوات الدبلوماسية الجادة أقرب بكثير إلى ترتيبات أمنية موسعة عبر آلية مراقبة معززة ، وتثبيت للقرار 1701 بصيغة أكثر إلزامًا ومعالجة للنقاط الثلاث عشرة المتنازع عليها على الحدود البرية . لا يوجد “طلب جاد وموثَّق” بـ “تحالف لبناني-إسرائيلي ضد حزب الله” كشرط للانسحاب . والخلط هنا بين منطق السلام الإبراهيمي القائم على التطبيع ومنطق فك الاشتباك القائم على الهدنة التقنية ، خلط مفاهيمي قاتل؛ فالفرق بين الصيغتين كالفرق بين كامب ديفيد 1978 واتفاقية فك الاشتباك السورية-الإسرائيلية 1974: الأولى معاهدة سلام ، والثانية ترتيب أمني محايد قائم منذ نصف قرن دون أن يُقال إن دمشق “طبّعت” مع تل أبيب ، مع أهمية إبقاء السلاح في يد الدولة اللبنانية إذ يعد ذلك مصلحة لبنانية بالدرجة الأولى .

تبقى الحجة الأخيرة وهي أن أي لقاء بلا اتفاق يُفقد لبنان آخر أوراقه . لكن السؤال الذي لا يُطرح: ما هي هذه الورقة بالضبط؟ إن كانت المقاطعة الرمزية فهي ورقة بلا قيمة تفاوضية حقيقية ، لأن الرموز لا توقف القصف ولا تُعيد قرى الجنوب المدمرة . وإن كانت التحالف مع المحور الإيراني، فهذا المحور ذاته يعيش لحظة انكماش استراتيجي عميق بعد 2026 ، الورقة الحقيقية الوحيدة التي يملكها لبنان هي شرعيته الدولية كدولة ذات سيادة موحدة ، وهذه الورقة تُعزَّز بحضور الدولة على طاولة التفاوض لا بغيابها عنها .