تابعت خطاب الأخ عيدروس الزبيدي الأخير وتوقفت عند ثلاث فقرات هي الأهم في اعتقادي.
الأولى: “إن الرابع من مايو ال لم يكن لحظة إعلان عابرة، بل كان لحظة تفويض تاريخية حملتمونا فيها مسؤولية التعبير عن إرادة الجنوب في مرحلة بالغة التعقيد والتداخلات”.
من خلال هذه العبارة يريد الزبيدي القول إن مجلسه الإنتقالي الذي تم الإعلان عنه في 4 مايو 2017 هو من يملك شرعية تمثيل جنوب اليمن، وهو وكيل عن “إرادة الجنوب”، وهذا يعني أن التفويض الذي حصل عليه في ذلك اليوم يجعله الممثل الشرعي للجنوب.
الثانية: “هذه المناسبة التي لا نراها يوماً للاحتفال بقدر ما نراها محطة لتحمل المسؤولية وتجديد العهد مع هذا الشعب العظيم الذي منحنا ثقته، وحمّلنا أمانة الدفاع عن تطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة وبناء دولته المستقلة”.
هذه الفقرة تذكرني بخطابات عبدالملك الحوثي، الذي يقول فيها إن الشعب منحه المشروعية لقيادة اليمن.. لكن كيف؟ وعبر أي وسيلة؟!
عيدروس هنا يبدأ بتأكيد مبدأ ديمقراطي صحيح عندما يتحدث عن إرادة الشعب في الجنوب، ثم يتبع ذلك بربط الإرادة الشعبية بنفسه (المجلس الانتقالي).
هو يدعي الاستحواذ على الشرعية الشعبية، لكن هذا الادعاء غير قابل للتحقق والتأكد. لا انتخابات ولا استفتاء ولا آلية تمثيل شاملة من خلال اعتراف من المكونات الجنوبية الأخرى.
لو أخذنا الحكومة اليمنية مثلا، سنجد أنها تستمد شرعيتها من القانون الدولي عبر الأمم المتحدة وكذلك قرارات مجلس الأمن باعتبارها امتدادا للدولة اليمنية، وقبل ذلك اعتراف الأحزاب السياسية اليمنية والمكونات الوطنية حتى وإن اختلفت معها في بعض التفاصيل. بينما المجلس الانتقالي كيان ظهر قبل سنوات وبلا سند دستوري او تأييد جنوبي كامل.
الحكومة الشرعية تمثل الجمهورية اليمنية كدولة معترف بها دوليا وتتعامل باسمها في المؤسسات والاتفاقيات، أما الانتقالي فهو مجرد طرف سياسي محصور في منطقة يطالب بالانفصال ولا يحمل صفة تمثيل الدولة ولا يمكن القول إنه الممثل الشرعي للجنوبيين لأن هذا قول لا يمكن التحقق منه أو قياسه خاصة وعدد كبير من الجنوبيين يرفضون هذا الإدعاء.
الثالثة: “إفراغ الساحة الجنوبية من أي تمثيل وطني حقيقي، واستبداله بكيانات لا تعبر عن إرادة الناس”.
هذه الجملة، التي جاءت ضمن كلام الزبيدي، هي أخطر ما في الخطاب في اعتقادي، لأن الرجل هنا لا يقول إنه يمثل الجنوب فقط، بل يقول بشكل غير مباشر: الآخرون لا يمثلون الجنوب.
خطاب الزبيدي خالي من الإشارة للتعددية في الجنوب. لم يذكر القوى الحضرمية، ولا تيارات الحراك المختلفة، ولا المكونات المهرية. بل قال وبشكل غير مباشر: نحن من يمثل الجنوب. وذلك من خلال الحديث عن التفويض التاريخي أو كما يصفونه “إعلان تأسيس المجلس الانتقالي”، واحتكار تفسير الإرادة الشعبية الجنوبية، وإلغاء حق المكونات الجنوبية الأخرى في تحديد مصير الجنوب.

