هل يُراد للهوية الخليجية أن تنفصل عن سياقها العربي؟
هل يُراد للهوية الخليجية أن تنفصل عن سياقها العربي؟

هل يُراد للهوية الخليجية أن تنفصل عن سياقها العربي؟- نبض مصر

‏صناعة “السردية الوطنية” فنّ مشروع في جوهره، غايته ترسيخ الانتماء وتقديم صورة مشرّفة للأوطان. غير أنّ هذه السردية، حين تُختزل إلى أداة تخدم مشاريع سياسية وظيفية غريبة عن المنطقة وثقافتها، تنزلق من فضاء التعزيز الطبيعي للهوية إلى مسار “التوجيه الأيديولوجي” الذي يفرض واقعًا مصطنعًا يتصادم مع التاريخ والوجدان الجمعي.

الإشكال لا يكمن في اعتزاز الخليجي بهويته المحلية وتراثه – فهذا حق أصيل واستحقاق بديهي – بل تبدأ المعضلة حين تُبنى هذه الهوية على قطيعة مع محيطها العربي الأوسع، وحين تتحول “الوطنية الخليجية” من إطار جامع إلى أداة تفريق ممنهجة، تُصنّف العرب درجات وتغذّي مشاعر الاستعلاء أو الاستعداء. هذا الخطاب لا يؤسس لهوية متماسكة، بل يقوّض الرابط العربي الذي ظل لعقود صمّام أمان أمام مشاريع التفكيك والتذويب.

أما الأدوات، فهي لم تعد خفية. جيوش من صانعي المحتوى – بعضهم مدفوع بقناعة، وكثير منهم بتوجيه وتمويل – تضخ يوميًا خطابًا يوسّع الشروخ، ويستثمر في الحساسيات، ويعيد إنتاج العرب ككيانات متنافرة لا جامع بينها. هؤلاء لا يصنعون رأيًا عامًا بقدر ما يلوّثون بيئة النقاش، ويغذّون استقطابًا مصطنعًا تستفيد منه قوى إقليمية لا مصلحة لها في تماسك عربي حقيقي.

الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ”التوطين الثقافي” للمشروع الصهيوني. فعندما يُقدَّم الخطاب المُهوِّن من القضايا العربية المشتركة، ويُسوَّق التطبيع مع إسرائيل بوصفه “براغماتية” أو “نضجًا” في مقابل تصوير دعم القضايا العربية الجامعة كتعصّب أو انغلاق، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي إلى أداء وظيفة ضمن مشروع يسعى لإعادة تشكيل الوعي العربي قبل إعادة رسم الجغرافيا. فالتطبيع لا يبدأ بالسفارات، بل يبدأ من المحتوى.

ولا يمكن إغفال دور المنصات الرقمية، التي لم تعد وسيطًا محايدًا. خوارزمياتها تميل إلى تضخيم ما يثير الانقسام ويخفي ما يعزز المشترك، والمحتوى المُغذّي للصراعات البينية يجد طريقه إلى الانتشار بزخم يصعب تفسيره بالصدفة وحدها. وحين تُسخّر هذه البيئة لخدمة أجندات محددة، تتحول القوة الناعمة من أداة تعريف إلى وسيلة تفكيك.

إن بعض فعاليات مؤثري وسائل التواصل ليست مجرد مناسبات ثقافية عابرة، بل تعكس سؤالًا عميقًا يجب طرحه بوضوح: هل السردية التي يُراد ترسيخها تخدم شعوب المنطقة ومستقبلها، أم أنها تسهم – بوعي أو بدونه – في مشروع تفتيت لا يحتاج إلى قوة صلبة، بقدر ما يحتاج إلى من يروّجه بالكلمة والصورة والترند !.